بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

حتى لا تندم.. سوق العمل أولًا

لا قيمة لشهادة جامعية لا تفتح بابًا للعمل، ولا جدوى من سنوات يقضيها الطالب في الدراسة ثم يجد نفسه ضمن طوابير الباحثين عن وظيفة، فالقضية اليوم لم تعد مرتبطة بالمجموع أو اسم الكلية، بقدر ما تتعلق بقدرة منظومة التعليم على إعداد خريج يمتلك المهارات التي يحتاجها سوق العمل، لذلك أصبح من الضروري إعادة النظر في فلسفة الالتحاق بالكليات، حتى لا تتحول الشهادة إلى ورقة بلا قيمة عملية، بينما تتزايد أعداد الخريجين الذين لا تجد مؤهلاتهم مكانًا في سوق التوظيف، وهو ما يفرض تغييرًا حقيقيًا في ثقافة اختيار التخصصات.

منذ عقود تتكرر الأزمة ذاتها دون حلول جذرية، إذ يلتحق آلاف الطلاب كل عام بكليات لا توفر لخريجيها فرصًا حقيقية للعمل، بينما تصر بعض الأسر على توجيه أبنائها إلى كليات بعينها بدافع الوجاهة الاجتماعية أو المقارنات العائلية، فيقال للطالب: "ادخل الكلية التي التحق بها ابن خالتك أو ابن عمتك"، دون الالتفات إلى قدراته أو ميوله أو احتياجات سوق العمل، فتكون النتيجة قرارات لا تخدم الطالب ولا تلبي احتياجات الاقتصاد.

ولا يمكن تجاهل ظاهرة الغش في بعض لجان الامتحانات، التي تمنح بعض الطلاب مجاميع لا تعكس مستواهم الحقيقي، فتغمر الفرحة الأسرة، ويحتفل الجميع بالالتحاق بما يسمى "كليات القمة"، لكن الواقع سرعان ما يكشف الحقيقة، فعندما تبدأ الدراسة الجامعية تظهر الفجوة بين المجموع الحقيقي والقدرات الفعلية، وتتكرر حالات الرسوب والتعثر، لأن الجامعة لا تعترف إلا بالاجتهاد والكفاءة، ولا يمكن لأي طالب أن يستمر في دراسة شديدة الصعوبة إذا لم يكن مؤهلًا لها علميًا.

ومن الطبيعي أن تختلف قدرات الطلاب من شخص إلى آخر، ولذلك يجب أن تتوقف الأسر عن فرض أحلامها على أبنائها، وأن تساعدهم في اختيار التخصص الذي يتناسب مع إمكاناتهم، مع وضع احتياجات سوق العمل في مقدمة الأولويات، وإذا لم يكن التعليم الجامعي هو الطريق الأنسب، فإن التعليم الفني أو تعلم حرفة أو مهنة قد يكون الخيار الأفضل، فكثير من أصحاب المؤهلات الجامعية لا يجدون فرصًا مناسبة، بينما يحقق أصحاب المهارات المهنية فرصًا أوسع للاستقرار والتطور.

كما يجب أن يعي الجميع أن نتيجة الثانوية العامة ليست نهاية المطاف، ولا تحدد قيمة الإنسان أو مستقبله، فهي مجرد محطة في رحلة طويلة، ويمكن لأي طالب أن يصحح مساره إذا أحسن الاختيار، ولذلك ينبغي أن يكون الهدف هو اكتساب المعرفة والمهارة، لا مجرد الحصول على شهادة جامعية، فالمستقبل أصبح يعتمد على الكفاءة والمهارة أكثر من اعتماده على المسميات الأكاديمية.

وبعيدًا عن لوم الطالب وحده، فإن جوهر الأزمة يكمن في منظومة تحتاج إلى إعادة نظر، تبدأ من سياسات التعليم، وصولًا إلى مواءمة مخرجاته مع احتياجات سوق العمل، فالواقع يفرض وجود خريطة واضحة ومعلنة تُحدث بصورة دورية، تحدد التخصصات المطلوبة خلال السنوات المقبلة، إلى جانب تعزيز الإرشاد الأكاديمي والمهني داخل المدارس، حتى يبني الطالب قراره على معلومات دقيقة، وليس على ضغوط اجتماعية أو مقارنات عائلية، فالمسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والدولة، وسوق العمل، ولا يجوز أن يتحمل الطالب وحده نتائج خلل منظومة بأكملها.

وفي مارس الماضي، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال حفل الإفطار الذي نظمته الأكاديمية العسكرية المصرية، رسالة واضحة إلى مسؤولي التعليم، دعا فيها إلى إعادة النظر في التخصصات الجامعية التي لا يجد خريجوها فرصًا في سوق العمل، مؤكدًا أن استمرار تخريج دفعات في تخصصات لا يحتاجها المجتمع يمثل إهدارًا لسنوات من عمر الشباب، وهذه الرؤية لا ينبغي أن تبقى مجرد تصريحات، وآن الأوان لترجمتها إلى سياسات تنفيذية، لأن ربط التعليم بسوق العمل أصبح ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.

إن التعليم المهني لم يعد يقتصر على تعلم الحرف أو اكتساب المهارات اليدوية كما يظن البعض، وأصبح منظومة أكاديمية متكاملة تستهدف إعداد كوادر مؤهلة لشغل وظائف محددة تتوافق مع احتياجات سوق العمل، وقد أثبتت التجارب العالمية أن قوة منظومات التعليم لا تقاس بعدد الجامعات أو الخريجين، ولكن بقدرتها على تخريج عناصر تمتلك المعرفة التطبيقية والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد، بما يحقق التوازن بين مخرجات التعليم ومتطلبات التنمية.

واليوم لم يعد الرهان الحقيقي لأي دولة على تضخم أعداد الحاصلين على الشهادات، فالمعيار الحقيقي هو جودة الخريج وقدرته على الإنتاج والابتكار والمنافسة، أما الاستمرار في تخريج آلاف الشباب في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل، فهو إهدار لطاقات بشرية وموارد وطنية كان الأولى توجيهها إلى مجالات أكثر إنتاجًا، فنهضة الأوطان تبدأ بالإنسان القادر على العمل والإبداع، لا بتكديس المؤهلات، لأن الجامعة التي لا تؤهل خريجيها لسوق العمل، والتعليم الذي ينفصل عن احتياجات الاقتصاد، يفقدان رسالتهما، ويحولان حلم الشهادة إلى رحلة تنتهي على أبواب البطالة.