غزو المهاجرين
49 ألف مهاجر فى 24 ساعة.. «سبتة» تفجر أزمة أوروبية تهدد مستقبل «شنجن»
شهدت مدينة سبتة الإسبانية، الواقعة على الساحل الشمالى للمغرب، واحدة من أكبر موجات الهجرة غير الشرعية فى تاريخ الاتحاد الأوروبى، بعدما أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية وصول نحو 49 ألف مهاجر إلى المدينة خلال 24 ساعة فقط، سواء عبر البحر أو من خلال المعابر البرية.
وأوضحت الوزارة أن التدفق غير المسبوق للمهاجرين تسبب فى ضغوط هائلة على المدينة التى لا يتجاوز عدد سكانها 84 ألف نسمة، فيما أظهرت مقاطع مصورة آلاف الأشخاص وهم يسبحون نحو الشاطئ أو يعبرون الحدود البرية مستغلين الثغرات الأمنية، بينما أسفرت عمليات العبور عن وفاة ما لا يقل عن 18 شخصا.
ودفعت التطورات الحكومة الإسبانية إلى نشر قوات من الجيش للمساعدة فى حفظ الأمن داخل المدينة، فيما أعلن رئيس الوزراء، بيدرو سانشيز، عزمه زيارة سبتة، مؤكدا أن حكومته ستعمل على إعادة الأوضاع إلى طبيعتها فى أسرع وقت.
وفى أول رد فعل أوروبى، شنت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلونى، هجوما حادا على الحكومة الإسبانية، معتبرة أن الهجرة غير الشرعية غير المنضبطة تمثل تهديدا مباشرا لأمن الحدود الأوروبية، ولوحت بإمكانية تعليق مشاركة إسبانيا فى اتفاقية شنجن إذا استمرت الأوضاع على ماهى عليه. وقالت «ميلونى» إن إيطاليا لن تقف مكتوفة الأيدى، مؤكدة استعدادها لاتخاذ إجراءات لحماية حدود أوروبا وسلامة مواطنيها.
كما استدعى وزير الخارجية الإسبانى، خوسيه مانويل ألباريس، سفير إيطاليا فى مدريد أمس، بعد أن دعت حكومة جورجيا ميلونى اليمينية المتطرفة إلى تعليق عضوية إسبانيا فى منطقة شنجن لحرية التنقل.
ويعد هذا التدفق الأكبر من نوعه فى تاريخ الاتحاد الأوروبى من حيث عدد الوافدين خلال يوم واحد، متجاوزا حتى ذروة أزمة الهجرة عام 2015، عندما بلغ عدد الوافدين إلى أوروبا نحو 11 ألف شخص فى يوم واحد.
ورصدت صحيفة «التليجراف» وصول عشرات السباحين المنهكين إلى شواطئ سبتة قادمين من مدينة الفنيدق المغربية، قبل أن يتفرقوا داخل المدينة، بينما تمكن آخرون من عبور البوابات الحدودية المزدحمة.
ورغم أن الحدود البرية بين سبتة والمغرب محصنة بسياج أمنى يصل ارتفاعه إلى 10 أمتار وتخضع لحراسة مشددة، فإن الوضع يختلف بالنسبة للمهاجرين القادمين بحرا، بعدما قضت المحكمة العليا الإسبانية الشهر الماضى بعدم جواز إعادتهم فورا إلى المغرب.
وأوضحت المحكمة أن ما يعرف بعمليات «الإعادة الفورية» يقتصر على من يحاولون اجتياز الحدود البرية، ولا يشمل المهاجرين الذين يتم اعتراضهم فى البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية.
وتعد سبتة ومليلية المنطقتين الوحيدتين التابعتين للاتحاد الأوروبى ومنطقة شنجن اللتين تمتلكان حدودا برية مع القارة الإفريقية، وهو ما يجعلهما من أبرز نقاط العبور للمهاجرين نحو أوروبا.
وفى سياق متصل، أشار محللون إلى أن السلطات المغربية لا يمكن أن تكون غافلة عن حركة هذا العدد الضخم من المهاجرين. وقال هيزام أميرة فرنانديز، مدير مركز الدراسات العربية المعاصرة فى مدريد، إن خروج هذا العدد الكبير من المغرب نحو سبتة لم يكن ليحدث دون علم السلطات المغربية أو سماحها بحدوثه.
من جانبها، أعلنت فرنسا تعزيز إجراءات التفتيش على الحدود مع إسبانيا، حيث أكد وزير الداخلية الفرنسى، لوران نونيز، أنه أصدر تعليمات بتكثيف الرقابة الحدودية ونشر قوة التدخل السريع لإجراء عمليات تفتيش موسعة، تحسبا لأى انتقال للمهاجرين إلى الأراضى الفرنسية.
وتسمح اتفاقية شنجن للدول الأعضاء بإعادة فرض الرقابة على حدودها الداخلية بشكل مؤقت إذا رأت أن أمنها القومى يواجه تهديدا، وهو إجراء سبق أن استخدمته عدة دول أوروبية خلال أزمات الهجرة السابقة.
ويأتى التصعيد الحالى بعد أشهر من قرار حكومة بيدرو سانشيز منح الإقامة القانونية لنحو 500 ألف مهاجر ضمن قانون للعفو وصفته الحكومة بأنه «إجراء لتحقيق العدالة»، وهو القرار الذى أثار انتقادات واسعة داخل إسبانيا وفى عدد من العواصم الأوروبية.
كما طالب مانفريد ويبر، رئيس أكبر كتلة سياسية فى البرلمان الأوروبى، بتطبيق قواعد إعادة المهاجرين بشكل أكثر صرامة، فيما اعتبر رئيس حزب التجمع الوطنى الفرنسى، جوردان بارديلا، أن سياسة التجنيس الإسبانية فتحت أبواب أوروبا أمام مخاطر متزايدة.
أما زعيم حزب فوكس الإسبانى، سانتياجو أباسكال، فوصف ما يحدث فى سبتة بأنه «غزو»، محملا رئيس الوزراء، بيدرو سانشيز، المسئولية السياسية الكاملة عن تداعيات الأزمة.
طالب خوان خيسوس فيفاس، رئيس بلدية سبتة، بنشر المزيد من قوات الشرطة والجيش «لضمان حرمة الحدود» وسلامة المواطنين. كما دعا الحكومة المركزية إلى إعلان حالة طوارئ وطنية بشأن المعابر الحدودية، لكن الحكومة رفضت الدعوات لإعلان حالة طوارئ وطنية، قائلة إنه لا يمكن إعلان مثل هذه الحالات الطارئة بسبب قضايا الهجرة، ولا يمكن إعلانها إلا استجابة لأحداث مناخية خطيرة، مثل حرائق الغابات الحالية، أو فى مواجهة تهديد بركانى أو نووى.
وأكد مصدر مغربى رسمى لـ«فرانس برس» أن «اتصالات جرت بين سلطات البلدين»، وأنهما اتفقا على «تعزيز التنسيق والجهود من أجل مواجهة هذه التدفقات، والتزما بتطبيق إجراءات تسليم كل الأشخاص الذين دخلوا المدينة بطريقة غير قانونية وذلك فى أقرب الآجال». وأفادت مصادر حكومية مغربية لوكالة أنباء يوروبا برس بأن تدفق الناس إلى سبتة يعود إلى «منظمات إجرامية»، مؤكدة أن تعاون الرباط مع إسبانيا لا يزال «مثاليا».