بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

عزة رياض بين القصيدة والتراث:

أقاوم الكتابة المباشرة كى لا تفقد التجربة الصوفية كثافتها

بوابة الوفد الإلكترونية

على امتداد ما يقارب الخمسة عشرعاماً، منذ تعرفت إلى عزة رياض فى إحدى جلسات المجلس الأعلى للثقافة، وحتى لقائنا الأخير فى معرض الكتاب، كانت الحياة تدور بنا كل فى مداره؛ كأننا نعبر الزمن نفسه بخطوات مختلفة، وننصت إلى الأسئلة ذاتها بأصوات متباينة. ربما التقينا خلال تلك السنوات مصادفة فى بعض الفعاليات والندوات، تبادلنا التحية العابرة، ثم مضى كل منا إلى طريقه، دون أن يحدث ذلك الحوار الذى لا تصنعه المصادفات، بل تنضجه الحياة. لكن حين جلسنا نتحدث أخيراً، بدا الأمر كما لو أننا لا نستعيد أشخاصاً نعرفها، بل نكتشف شخصين جديدين خرجا من عباءة التجربة. أدركت أن كلاً منا تغير بشكل أو بآخر؛ ليس فقط بفعل العمر، بل بفعل ما قرأ، وما آمن به، وما خسره فى الطريق. كانت هناك مسافات كاملة صنعتها الكتب، والأسئلة، والهزائم والمكاسب، ومحاولات كل منا لما يظنه معرفة، أو نجاة.

هذا الحوار يحاول الاقتراب من تلك المسافة بين الحياة والكتابة، حيث لا تكون القصيدة إجابة، بل تكون احتمالاً مستمراً للفهم.

كيف بدأت علاقتك بالشعر؛ كحاجة للتعبير، أم كطريقة لفهم العالم من زاوية مختلفة؟

بدأت علاقتى بالشعر كحاجة خفية للتعبير، كشىء يشبه النجاة أكثر من كونه اختياراً. لم يكن الشعر رفاهية أو ترفاً فكرياً، بل كان طريقة لأقول ما لا يقال، ولأفهم ما لا يفهم بسهولة. مع الوقت؛ صار أيضاً نافذة أطل منها على العالم بزاوية مختلفة؛ زاوية أكثر هشاشة وعمقاً، ترى التفاصيل التى يمر بها الآخرون دون انتباه.

ما الذى تكتبه الشاعرة فيك ولا تستطيعين قوله فى الحياة اليومية؟

ما تكتبه الشاعرة فى ولا أستطيع قوله فى الحياة اليومية، فهو تلك المساحات الرمادية؛ الخوف غير المبرر، الحب غير المكتمل، الأسئلة التى لا إجابات لها. فى الحياة، نجبر على الاختصار، على التهذيب، على كتم الفوضى. لكن فى الشعر، أسمح لنفسى بأن أكون صادقة حتى القسوة، عارية حتى من نفسى أحياناً. الشعر لا يطلب منى أن أكون مفهومة، فقط أن أكون حقيقية.

عناوينك تميل إلى الكثافة والتجريد، وتتهم أحياناً بالمراوغة الدلالية؛ وديوانك الآخير«آدم بين الكتلة والفراغ» دليل على ذلك، هل هذا مقصود، أم ثقة بقدرة اللغة على الإيحاء دون الإفصاح؟

ميل العناوين إلى الكثافة والتجريد ليس مراوغة بقدر ما هو اقتصاد مقصود فى اللغة. أنا لا أتعمد إخفاء المعنى، بل أترك له مساحة ليتشكل عند القارئ. العنوان عندى ليس مفتاحاً يفتح باباً واحداً، بل عتبة تدخل إلى احتمالات متعددة. ربما يساء فهم هذا كنوع من الغموض المتعمد، لكنه فى الحقيقة ثقة بأن الإيحاء أصدق أحياناً من الإفصاح، وأن اللغة حين تخفف من يقينها تصبح أكثر قدرة على ملامسة ما هو غير محسوم داخل التجربة.

فى اشتغالك على التراث الشعبى، أين يتوقف الاستدعاء ويبدأ التفكيك؟ وكيف تتفادين أن يتحول إلى مجرد زخرفة دلالية داخل النص؟

التفكيك يحدث حين أفقد الثقة فى جاهزية المعنى، حين لا أكتفى بالاقتباس بل أضعه تحت ضغط التجربة الشخصية واللغة المعاصرة. لتفادى أن يتحول التراث إلى زخرفة، أحاول أن أجعله عنصراً فاعلاً فى بناء القصيدة، لا مجرد خلفية جمالية؛ أى أن يغير مسار النص، لا أن يزينه.

وحين يدخل التراث إلى قصيدتك، هل يعاد إنتاجه برؤية معاصرة، أم يحتفظ بهالته الأصلية بما قد يحد من حرية الكتابة؟

حين يدخل التراث إلى القصيدة، لا أحرص على «الحفاظ على هالته» بقدر ما أختبر قدرتى على الحوار معه. أحياناً يحتفظ بشىء من كثافته الأصلية، لكن ليس كقيد، بل كتوتر. الكتابة بالنسبة لى ليست إعادة إنتاج أمينة، ولا قطيعة كاملة، بل مساحة تفاوض؛ ماذا يبقى، وماذا يتبدل، وماذا ينكسر.

حضور آل البيت، خاصة تجربة الحسين بن على، يبدو واضحاً فى وعيك الشخصى لكنه أقل تجلياً شعرياً؛ كيف تفسرين هذه المسافة بين ما يعاش وما يكتب؟

حضور آل البيت، وتجربة الحسين بن على تحديداً، فهو حضور معيش أكثر منه مكتوب. هذه تجربة ذات حمولة روحية وتاريخية عالية، وأشعر أن اللغة حين تقترب منها مباشرة قد تسطحها أو تحولها إلى خطاب. لذلك تظهر فى النصوص بشكل غير مباشر؛ كأثر، كإيقاع داخلى، كحساسية تجاه الفقد والعدالة والخذلان، لا كموضوع معلن.

لماذا لم تتحول هذه التجربة إلى كتابة مباشرة حتى الآن؛ هل تقاوم اللغة فعلاً، أم أن الشاعر يتجنب اختبارها داخل النص خشية فقدان كثافتها؟

المسافة بين ما يعاش وما يكتب ليست تردداً بقدر ما هى ضرورة جمالية. ليس كل ما يعاش يصلح أن يقال فوراً. أحياناً تحتاج التجربة أن تمر عبر طبقات من الصمت، أن تعاد صياغتها بعيداً عن مباشرتها، حتى لا تفقد كثافتها.