القراءة الثانية (٤/٢)
سلسلة بين عصرين ؛؛؛ قراءة في تحولات العالم
هل نقرأ العالم بالأدوات القديمة؟
منذ أن بدأ الإنسان يسجل تاريخه، وهو يحاول أن يفهم ما يدور حوله مستعينا ََ بما تعلمه من الماضي. وهذه قاعدة صحيحة في أصلها؛ فالتاريخ مدرسة كبرى، والخبرة البشرية تراكم معرفي لا غنى عنه .. لكن المشكلة تبدأ حين نتصور أن الأدوات التي نجحت في تفسير عالم الأمس قادرة بالقدر نفسه على تفسير عالم اليوم، وكأن التاريخ يعيد نفسه بصورة متطابقة، أو كأن الزمن لا ينتج واقعا ََ جديدا ََ يحتاج إلى أدوات جديدة لفهمه.
ولعل هذا ما يفسر جانبا ََ من حالة الارتباك التي يعيشها كثير من المحللين والسياسيين والاقتصاديين، بل وحتى عامة الناس.
فالأحداث تتسارع بصورة غير مسبوقة، بينما لا تزال طرق التفكير لدى كثيرين تتحرك بالسرعة نفسها التي كانت مناسبة لعالم أكثر استقرارا ََ وأقل تعقيدا ََ .. ولذلك أصبحت بعض التفسيرات، رغم منطقيتها الظاهرية، عاجزة عن استيعاب الصورة الكاملة.
لقد اعتاد العالم لعقود طويلة أن يقرأ التحولات من خلال مفاهيم ثابتة نسبيا ََ؛ ميزان القوى العسكرية، حجم الاقتصاد، السيطرة على الموارد، التحالفات التقليدية، والنفوذ السياسي. وكانت هذه الأدوات كافية إلى حد كبير لفهم عالم تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الدولة هي اللاعب الرئيسي، وكانت القوة تقاس غالبا ََ بما تمتلكه من جيوش وثروات ومناطق نفوذ.
أما اليوم؛ فإن المشهد أصبح أكثر تعقيدا ََ، فالمعلومة أصبحت قوة، والبيانات موردا ّ استراتيجيا ّ، والذكاء الاصطناعي لاعبا ّ جديداّ، والشركات العابرة للحدود أصبحت في بعض المجالات تمتلك تأثيرا ّ يفوق تأثير دول كاملة. كما أن شبكات الاتصال الفورية جعلت الأحداث تنتقل من أقصى الأرض إلى أقصاها في لحظات، وأصبح القرار الاقتصادي في دولة ما قادرا ّ على التأثير في أسواق العالم خلال دقائق.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد من المنطقي أن نحاول تفسير كل ما يحدث بالاعتماد على الأدوات نفسها التي كانت صالحة قبل نصف قرن. فليس معنى أن تلك الأدوات كانت صحيحة أنها ما زالت كافية؛ فالخرائط تتغير، ومفاهيم القوة نفسها تتطور، ومعايير التفوق لم تعد هي ذاتها التي عرفها العالم من قبل.
وليس هذا أول تحول من نوعه في التاريخ؛ فعندما ظهرت الثورة الصناعية، لم يدرك كثيرون في بدايتها أنها ستعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع والسياسة والعلاقات الدولية. وعندما ظهرت الطباعة، لم يتخيل معاصروها أنها ستقود إلى ثورات فكرية ودينية وسياسية غيرت وجه أوروبا والعالم. وكذلك الإنترنت، الذي بدأ مشروعا ّ تقنياّ محدودا ّ ، ثم تحول خلال سنوات قليلة إلى بنية أساسية للحياة الإنسانية بأكملها.
إن التحولات الكبرى لا تعلن عن نفسها بوضوح منذ اللحظة الأولى، وإنما تتسلل تدريجيا ّ داخل تفاصيل الحياة اليومية، حتى إذا اكتملت معالمها، أدرك الناس أنهم أصبحوا يعيشون في عالم مختلف تماما ّ.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان هو أن يصر على استخدام مفاتيح قديمة لفتح أبواب لم تعد موجودة أصلًا.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الخبرة أو التقليل من شأن التاريخ، بل على العكس؛ فالتاريخ يظل أعظم معلم للبشرية، لكنه يعلمنا أيضًا أن أعظم دروسه هي أن العالم لا يتوقف عن التغير .. ومن يفهم هذه الحقيقة يدرك أن الحكمة ليست في التمسك بالأدوات القديمة أو الانبهار بكل جديد، وإنما في القدرة على التمييز بين ما يبقى صالحا ََ عبر الزمن، وما أصبح يحتاج إلى مراجعة وتطوير.
ومن هنا، ربما لا تكون المشكلة الحقيقية أن العالم أصبح أكثر تعقيداََ، بل أن كثيرا ََ منا ما زال يحاول فهمه بعقلية تشكلت في زمن مختلف، وبمعايير لم تعد وحدها قادرة على تفسير ما نراه اليوم.
ولهذا قد يكون السؤال الأكثر أهمية ليس: ماذا يحدث للعالم؟
بل: هل نحن أمام مرحلة انتقال حضاري تنتقل فيها البشرية من نموذج تاريخي إلى نموذج جديد؟
وهذا هو السؤال الذي ستكون القراءة الثالثة من هذه السلسلة محاولة للإجابة عنه غدا ََ إن شاء الله .