المحمة (مسطرد)... حيث اغتسل السيد المسيح عليه السلام وتفجّر نبع الرحمة
واصلت رحلة العائلة المقدسة للسيدة العذراء والسيد المسيح عليه السلام ويوسف النجار ، عبر أرض مصر، هربًا من بطش الملك هيرودس الذي أصدر أوامره بقتل الأطفال خوفًا على ملكه، لم يكن الهروب بحثًا عن النجاة فحسب، بل كان تنفيذًا لمشيئة إلهية اختارت مصر لتكون الملاذ الآمن، حتى وصلت للمحطة الثالثة “ المحمة ” مسطرد.
ولم تكن خطواتها تقيس المسافات بقدر ما كانت تكتب تاريخًا جديدًا فوق تراب هذا الوطن، وبعد مغادرتها تل بسطا، اتجه الركب المبارك نحو بقعة هادئة تقع إلى الشمال الشرقي من القاهرة الحالية، عُرفت قديمًا باسم المحمة، وتُعرف اليوم بمدينة مسطرد بمحافظة القليوبية.
لتصبح “المحمة ” مسطرد حاليا ، إحدى المحطات التي حملت في طياتها معاني الرحمة والسكينة، وارتبطت بذكرى لا تزال حية في وجدان المؤمنين حتى يومنا هذا، كان الطريق طويلًا، والغربة ثقيلة، والسيدة مريم تحمل بين ذراعيها طفلها المبارك، بينما يواصل القديس يوسف النجار السير في صمت، يحدوه يقين بأن العناية الإلهية تقودهم إلى بر الأمان.
وعندما بلغوا هذه البقعة، وجدوا فيها مكانًا يصلح للراحة بعد عناء السفر، فكانت المحمة محطة يسترد فيها الجسد شيئًا من قوته، وتطمئن فيها النفس بعد أيام من الخوف والترحال، ويرتبط اسم المحمة بالرواية المتوارثة التي تقول إن السيدة العذراء اغتسلت في هذا الموضع، وغسلت ثياب الطفل يسوع، ومن هنا جاءت تسمية المكان، إذ اشتُق الاسم من الاستحمام والتطهر. ولم يكن الماء في تلك اللحظة مجرد وسيلة للنظافة، بل صار رمزًا للحياة، والسكينة، والتجدد، ولذلك بقيت هذه الذكرى جزءًا أصيلًا من التراث المرتبط بالموقع.
وتشير التقاليد الكنسية أيضًا ، إلى أن نبعًا للمياه تفجّر في هذا المكان، فارتوت منه العائلة المباركة، وتحول إلى موضع يقصده الزائرون طلبًا للبركة ، ومع مرور القرون، ظل هذا النبع شاهدًا على حدث ارتبط بالرحمة الإلهية، وأصبح من أبرز المعالم التي تميز المحمة عن سائر محطات الرحلة.
ولم تكن مسطرد مجرد محطة للراحة، بل كانت استراحة إنسانية في قلب رحلة مليئة بالمشقة ، ففيها تجلت صورة الأم التي ترعى طفلها بكل حنان، والأسرة التي تواجه قسوة الطريق بالإيمان والصبر ، ولهذا اكتسب المكان قيمة خاصة، لأنه يجسد جانبًا إنسانيًا من الرحلة، بعيدًا عن صخب الأحداث، ليقدم مشهدًا أسريًا بسيطًا، لكنه بالغ التأثير.
واليوم تحتضن "مسطرد " كنيسة السيدة العذراء، التي تُعد من أهم المزارات المرتبطة بمسار العائلة المقدسة، ويقصدها آلاف الزائرين سنويًا، حيث يشاهدون البئر التاريخية والموقع الذي ارتبط بالروايات الكنسية عن إقامة العائلة في هذه البقعة المباركة.، كما شهدت المنطقة أعمال تطوير ضمن مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة، لتكون محطة تستقبل الحجاج والسائحين من داخل مصر وخارجها.
وعندما يقف الزائر في هذا المكان، يشعر أن التاريخ لا يُروى بالحجارة وحدها، بل بالمشاعر التي بقيت عالقة في المكان، هنا كانت أم تحتضن طفلها في رحلة هروب، وهنا تفجّر الماء ليمنح المسافرين حياة جديدة، وهنا تحولت لحظة بسيطة من حياة أسرة مهاجرة إلى صفحة خالدة في سجل التاريخ.
وهكذا بقيت المحمة، أو مسطرد، ليست مجرد محطة على طريق طويل، بل شاهدًا على أن أعظم الأحداث قد تولد من أبسط التفاصيل؛ من قطرة ماء، ومن حضن أم، ومن رحلة إيمان عبرت الزمان، لتبقى مصر الأرض التي احتضنت العائلة المقدسة، وخلدت آثارها في وجدان الإنسانية.

