الوجه الآخر لثورة الذكاء الاصطناعى
ينظر البعض للذكاء الاصطناعى باعتباره أحد حلول تحقيق الرفاهة وتحسين سبل الحياة، فمن خلال تطبيقات وبرامج إلكترونية يُمكن اختصار إجراءات عديدة وطرح بدائل ومساعدة البشر فى تقديم استشارات وخدمات صحية واجتماعية ومهنية.
وهذا ما اعتبره البعض بمثابة موجة جديدة من الموجات الكبرى للتغيير فى تاريخ العالم، وهو ما تحدث عنه باستفاضة البريطانى ذو الأصول العربية مصطفى سليمان فى كتابه الشهير «الموجة القادمة The Next Wave». وكان مما قاله المؤلف فى هذا الكتاب إن قطار العصر الجديد انطلق فى طريقه، وأنه من الأفضل الركوب فيه مبكراً.
ولا شك أن انطلاق ثورة الذكاء الاصطناعى أتاح لكثير من الشعوب فى البلدان النامية أن تحلم بالتقدم وتسعى لتحسين أحوالها الاقتصادية والخدمية اعتماداً على تطبيقات تقنية تختصر الوقت والكلفة المادية والجهد.
وربما كان ذلك واضحاً فى العالم العربى بعد جائحة كوفيد 19، فقامت عدة دول من بينها مصر بوضع خطط للدخول إلى عصر الذكاء الاصطناعى. كما أنشأت دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2020 وزارة مستقلة للذكاء الاصطناعى. وبشكل عام عقدت مؤتمرات ونظمت منتديات وأقيمت ورش عمل وأعدت دراسات، وصار واضحاً أن هناك لغة واحدة يتحدثها الجميع، وهدفاً رئيسياً يُجمعون عليه يرتبط بهذا التقدم العظيم للبشرية.
لكن كما يبدو واضحاً للمتابعين، فإن هناك وجهاً آخر للذكاء الاصطناعى يخص تأثيره شديد السلبية على كثير من الوظائف التقليدية. وإذا كانت كثير من الشركات تحتاج فى الماضى لمترجمين ومحللين ومحاسبين ومستشارين فى مختلف المجالات وسكرتارية، فإن عالم اليوم يوفرها بسهولة عبر تطبيقات محددة وبتكلفة بسيطة وبأداء أعلى مهنية وأكثر دقة.
وقبل أيام قليلة نقلت لنا الصحف خبراً عن قيام شركة أوراكل العالمية بتسريح 21 ألف عامل لديها على مستوى العالم، لأن ما يقدمونه صار متاحاً بكلفة بسيطة عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعى. وفى مطلع العام الحالى قرأنا أيضاً أن شركة أمازون استغنت عن 16 ألف وظيفة صارت لا لزوم لها لسهولة وسرعة ودقة إنجازها إلكترونياً. وقبلها شهدنا فى دول عديدة وشركات عالمية معروفة إجراءات مشابهة، وهو ما يثير موجة من القلق لدى البلدان التى لديها عدد سكان كبير مثل مصر، وتحتاج كل عام لتوليد أكثر من مليون فرصة عمل جديدة.
إن قوة العمل فى مصر يبلغ قوامها نحو 34 مليون نسمة، منها نحو 26.8 مليون من الذكور، و7.2 مليون من الإناث، وهى مرشحة للزيادة بصورة كبيرة خلال السنوات القادمة. ولا شك أن دخول مصر عصر الذكاء الاصطناعى وفقاً للاستراتيجية المعلنة من جانب الحكومة سيكون له تاثير مباشر على كثير من الوظائف، وهو ما يستلزم قراءة متأنية وواعية وتخطيطاً محكماً لسوق العمل وحركة الطلب على المهن والمهارات المختلفة حتى تتهيأ الأجيال القادمة سريعاً لاستيعاب التحول الكبير.
وسلامٌ على الأمة المصرية.