مَن يحاكم المحكم؟
هل تتحول الجوائز إلى أداة لصناعة المكانة تتحكم فيها وزارة الثقافة؟
ما يحدث خلف ترشيح جوائز الدولة
«سوسيولوجيا» الفوز.. وما لا تقوله الجلسات المعلنة
لماذا يختفى بعض المبدعين الحقيقيين من القوائم؟
رغم تصديق وزيرة الثقافة جيهان زكى على القوائم القصيرة لجوائز الدولة لعام 2026، وما تبع ذلك من نقاشات وتساؤلات لم تهدأ حتى الآن، إلا إنه من المبكر إصدار الأحكام على دورة لم تحسم نتائجها بعد. فالأسماء المرشحة ليست بالضرورة هى الأسماء الفائزة، وبالتالى فالرهانات المسبقة لا تكفى لبناء موقف نقدى متوازن.
لكن إذا كان من الصعب تقدير الجوائز التى لم تمنح بعد، فإن بين أيدينا دورة مكتملة الأركان؛ وهى جوائز الدولة لعام 2025. فالوقائع متاحة، والنتائج معلنة، وخرجت الأسماء من دائرة الترشيح إلى دائرة الفوز. وهنا يصبح الإستيضاح مباحاً؛ بماذا تخبرنا نتائج عام 2025 عن طبيعة الميزان الذى توزن به الجوائز الثقافية الأرفع فى مصر؟
هذا التحقيق ينشغل بتقييم القيمة الإبداعية للفائزين بقدر انشغاله بفحص الآلية التى أوصلتهم إلى الجوائز. فالقضية ليست مَن فاز فقط؟ وإنما كيف فاز؟ وما المعاييرالتى رجحت كفة مبدع على غيره؟ وهل تعكس هذه النتائج خريطة الإبداع المصرى فعلاً، أم خريطة النفوذ المؤسسى داخل الحقل الثقافى؟
قد يبدو الأمر غريباً للوهلة الأولى؛ كيف نزن الميزان الذى يزن؟ لكن هذا تحديداً ما نحاول القيام به. فحين تصبح الجوائز معياراً للقيمة، يصبح من حق المجال الثقافى أن يسأل عن معيار المعيار، وعن الجهة التى تمسك بخيوط الترجيح، وعن المسافة الفاصلة بين الاستحقاق والاختيار، خاصة إذا علمنا أن القائمين على التحكيم فى الجوائز الخاصة والعامة هى أسماء واحدة تقريباً، ما ينتج عنه أن تظل الذائقة والاتجاهات الفكرية والعلاقات واحدة على مدار دورات متتالية كما هى متوازية.
والرسالة الأهم التى يحملها هذا التحقيق إلى القائمين على صناعة الجوائز فى مصر ليست الاتهام ولا المصادرة، بل التنبيه؛ أن كل قرار يمنح جائزة يظل قابلاً للفحص، وأن كل ميزان يستخدم لوزن الآخرين سوف يوضع هو ذاته على كفة الميزان. وإذا كان هذا التحقيق يقرأ نتائج 2025، فإن نتائج 2026 ليست ببعيد، وإنها حين تصدر، ستكون بدورها مادة مشروعة لقراءة صريحة؛ ربما أكثر صرامة.
جوائز 2025؛ هذا التحقيق يعود خطوة إلى الوراء فى محاولة لقراءة الفائزين باعتبارهم دليلاً على معايير الاختيار، وأيضاً قراءة فى غير الفائزين، فحين تمنح دولة بحجم مصر الثقافى جوائزها الكبرى، فإنها تكشف عن رأيها فى مبدعيها؛ من يستحق؟ وما الذى يكافأ فعلاً؟ الإبداع؟ التأثير؟ الحضور المؤسسى؟ أم خليط معقد من كل ذلك؟ لهذا لن يتعامل هذا التحقيق مع نتائج جوائز الدولة لعام 2025 باعتبارها قائمة أسماء، بل باعتبارها وثيقة تستحق الفحص.
وجب التنويه؛ هذا التحقيق لا يدعى امتلاك أحكاماً نهائية على من يستحقون الجوائز، ومن لا يستحقونها. فمثل هذا الحكم، فى المجال الثقافى تحديداً، يظل بطبيعته مركباً، يتداخل فيه ما هو موضوعى بما هو ذوقى، وفى ذات الوقت، لا يدعى هذا العمل حياداً مطلقاً، لأن القراءة نفسها لا تكون يوماً بلا زاوية نظر، ولا بلا مرجعية نقدية يكتسبها الكاتب عبر قراءاته وخبراته وتراكم ذائقته. لكن ما يمكن الالتزام به هنا؛ فقط هو عدم فرض هذه الزاوية على القارئ، وعدم تحويلها إلى حكم مغلق؛ لذلك سوف تكتفى هذه السطوربإعادة تقديم المنجز الثقافى لبعض من فاز كما هو متاح ومعلن، ووضعه أمام القارئ فى صورة تسمح بالمقارنة والتأمل والفحص. أما الحكم، بكل ما يحمله من حساسية واختلاف، فيظل فى النهاية حقاً للقارئ الواعى، الذى يقرأ لا بوصفه متلقياً، بل بوصفه شريكاً فى عملية التقييم ذاتها.
اللائحة؛ تمنح جوائز الدولة فى مصر عبر منظومة يشرف عليها المجلس الأعلى للثقافة، تبدأ بمرحلة ترشيحات تقدمها جهات أكاديمية وثقافية معتمدة، تليها مراجعات أولية للملفات، ثم تصويت داخل لجان متخصصة قبل الوصول إلى القرار النهائى فى اجتماع المجلس.
ورغم وضوح الإطار الإجرائى، فإن ما لا تكشفه اللوائح عادة هو الكيفية التى تحسم بها المفاضلة بين أسماء تمتلك جميعها مستويات معتبرة من الإنجاز داخل مجالاتها المختلفة، وهو ما يفتح مساحة دائمة للتساؤل حول طبيعة المعايير الفعلية التى تستخدم عند الترجيح بين المرشحين.
السؤال الأهم؛ فى هذه اللحظة تحديداً، يجب ألا يظل السؤال محصوراً فيمن الأكثر إنتاجاً؟ بل يتسع ليصبح؛ مَن يمثل اتجاهاً معرفياً أو إبداعياً استثنائياً؟ من يملك مساراً ممتداً يتفوق حتى على الفوز ذاته؟ ومن يمكن قراءته كجزء من تطورالإبداع الثقافى ذاته، وليس مجرد اسم داخل المنظومة؟ هذه الأسئلة.. وإن لم تطرح دائماً بصوت واضح داخل غرف التصويت، فإنها بالتأكيد تطرح خارجها.. وبقوة.
وعلى ذلك؛ حين أعود إلى نتائج جوائز الدولة لعام 2025، فإننى لا أتعامل معها كقائمة أسماء انتهت إليها عملية الاختيار، بل أراها نافذة يمكن من خلالها قراءة تصورأوسع لفكرة الاستحقاق نفسها، وكيف تتشكل داخل منظومة ثقافية ومؤسسية معقدة.
المؤسسى؛ وعندما حاولت الاقتراب أكثرمن هذه النتائج، بدا لى أن الفائزين يمكن قراءتهم عبر ثلاثة مسارات؛ أولها المسار الأكاديمى المؤسسى؛ وفيه نجد شخصيات ارتبطت رحلتها الطويلة بالجامعة ومؤسسات البحث، حيث لا ينفصل العمل العلمى عن الحياة داخل هذه المؤسسات، بل يتداخل معها ويغذيها فى الوقت نفسه. يبدو الفائز فى هذا السياق كأنه جزء من نسيج معرفى ممتد، تتكامل فيه الخبرة الأكاديمية مع الدور المؤسسى. ومن بين الأسماء التى تمثل هذا المسار فى جوائز 2025؛ الدكتور أحمد زايد، والدكتور محمد أنس قاسم جعفر، والدكتور محمد سامح عمرو.
الإبداعى؛ أما المسار الثانى فهو المسار الأدبى الإبداعى؛ وفى هذا المسار يطل الفائز بوصفه صاحب صوت خاص وتجربة إبداعية تشكلت عبر نصوص وأعمال تركت أثرها فى المشهد الثقافى. هنا يتقدم الإبداع ذاته إلى الواجهة، بينما يتراجع ما عداه إلى الخلفية. ويأتى الشاعر أحمد الشهاوى فى جوائز 2025 مثالاً واضحاً على هذا الحضور، بما حملته تجربته الشعرية من امتداد وتحولات داخل الشعر العربى الحديث.
الأكاديمى؛ ثم يأتى المسار التخصصى العلمى الأكاديمى، ليضم باحثين ينتمون إلى عوالم معرفية دقيقة، يعملون داخل حقول بحثية متخصصة، حيث الأثر العلمى. لا يعتمد هذا النمط على الظهور بقدر ما يعتمد على المعرفة واستمرار إنتاجها. ومن أبرز من يمثلونه فى جوائز 2025؛ الدكتورة منى حجاج والدكتور عطية الطنطاوى، وقد تركز عملهما فى مجالات الآثار والجغرافيا والدراسات البيئية.
لجان التحكيم؛ لا أتعامل مع لجان التحكيم باعتبارها جهة تقرر فى لحظة واحدة، بل كمساحة تتقاطع فيها المعايير المكتوبة مع التقدير البشرى الذى يتكون داخل النقاش. فالمعايير الرسمية واضحة نسبياً؛ منجز، أثر، إضافة علمية أو إبداعية. لكنها لا تكفى وحدها حين تصبح الفوارق دقيقة، وحين يصبح الاختيار أقرب إلى المقارنة بين مسارات مكتملة أكثر منه بين أرقام قابلة للقياس.
ملاحظة؛ ما ألاحظه هنا أن فهم نتائج جوائز الدولة أوسع من مجرد معرفة الفائزين أو مقارنتهم بغيرالفائزين؛ إذ يتطلب الأمر النظر أيضاً إلى تلك المنطقة غير المرئية التى يصنع فيها القرار، حيث لا تظل المعاييرأرقاماً جامدة، لكنها تمتد إلى تقديرات تراكمية تتشكل داخل سياق ثقافى ومؤسسى حى ومتشابك. وهو ما ليس فى مقدرتنا الوصول إليه بشكل واضح، لذلك نحن مضطرون إلى اتباع منهج الاستنباط من خلال ما بين أيدينا من وقائع فعلية.
الاستحقاق؛ بعد كل هذا، يبدو السؤال أكبر من قائمة الفائزين أنفسهم. فالمسألة لم تعد تتعلق بمن حصل على الجائزة فقط، بل بكيفية تشكل فكرة «الاستحقاق» أصلاً فى أذهان من بيدهم الأمر، ومن يملك حق تعريف هذا الاستحقاق داخل المجال الثقافى. فوجود أسماء شبه متماثلة داخل أكثر من لجنة تحكيم، وتكرار دوائر الاختيار فى الجوائز الكبرى، يفتح مساحة للتفكير؛ لا فى الأشخاص، بل فى البنية التى تتشكل داخلها هذه القرارات؛ وهل نحن أمام تنوع حقيقى فى الرؤى النقدية؟ أم أن بعض الدوائر تعيد إنتاج نفسها بصيغ مختلفة، حتى إن تغيرت الأسماء؟.
المنسيون؛ وفى المقابل نرى أن عدم تبلور فكرة الاستحقاق بشكل موحد لدى الجميع؛ قد يصل بنا إلى تجاهل مبدعين كبار، فى الرواية والشعر والفنون، يملكون حضوراً وتأثيراً واضحاً، لكنهم لا يظهرون دائماً داخل قوائم التكريم الرسمية مثل إبراهيم عبدالمجيد أو محمد المنسى قنديل أو آدم حنين، على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر. وبالطبع هذا لن يقلل من قيمتهم، بقدر ما يذكرنا بأن أى جائزة، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تختصر المشهد الثقافى كله، بل تضىء جزءاً منه فقط، لكن يظل السؤال: هل جوائز الدولة تضىء فعلاً الجزء الذى يستحق الإضاءة؟
أعلم أن الأسئلة ستظل مفتوحة، لا لأن الإجابات غير موجودة، بل لأن المشهد نفسه أوسع من أن يحسم فى قراءة واحدة. فجوائز الدولة، فى كل دورة، لا تغلق ملفاً بقدر ما تفتح ملفات أخرى حول معنى الاستحقاق وحدود الاعتراف وغيرها. وقبل أن نغلق هذا التحقيق، يبقى فى المشهد ما يستدعى التمهل قليلاً؛ ففى السطور القادمة، تفتح لنا الزميلة سمية عبدالمنعم نافذة مختلفة على الحكاية، من داخل الحقل الثقافى نفسه، حيث تنقل لنا أصوات المثقفين عن رؤيتهم للترشيحات فى جوائز الدولة لعام2026، وعن الأسماء التى يرون أنها كانت تستحق أن تكون موجودة لكنها لم تصل. فربما لا يكون من الجيد أن يغادر أحدكم الآن… فهناك تتمة تنتظرنا.

