اليورو يتراجع لأدنى مستوياته منذ أشهر أمام الدولار بسبب اختلاف سياسات الفائدة
شهدت العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" ضغوطاً ملحوظة خلال تعاملات الأسواق العالمية، لتتراجع إلى مستويات هي الأدنى منذ عدة أشهر أمام الدولار الأمريكي، في ظل اتساع الفجوة بين السياسات النقدية التي يتبناها كل من البنك المركزي الأوروبي ومجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
يرى محللون أن أحد أبرز الأسباب وراء تراجع اليورو يتمثل في استمرار جاذبية الأصول المقومة بالدولار، خاصة مع تمسك الاحتياطي الفيدرالي بسياسة نقدية متشددة تهدف إلى كبح جماح التضخم.
ويؤدي ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية إلى زيادة العائد على السندات وأدوات الدين، ما يدفع المستثمرين حول العالم إلى توجيه أموالهم نحو السوق الأمريكية، الأمر الذي يعزز الطلب على الدولار ويرفع من قيمته مقابل العملات الرئيسية الأخرى.
وتعززت هذه التوقعات بعد إشارات متكررة من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي تؤكد أن خفض أسعار الفائدة قد لا يكون قريباً، وأن معدلات الفائدة الحالية قد تستمر لفترة أطول لضمان السيطرة على الضغوط التضخمية.
في المقابل، أظهرت التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولي البنك المركزي الأوروبي ميلاً أكبر نحو المرونة في التعامل مع السياسة النقدية. وأكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، Christine Lagarde، أن ارتفاع معدلات التضخم في منطقة اليورو خلال الفترة الأخيرة يعود بشكل رئيسي إلى التطورات المرتبطة بأسواق الطاقة، مشيرة إلى أن البنك لا يزال يتوقع عودة التضخم تدريجياً إلى مستهدفه البالغ 2% خلال المدى المتوسط.
وأضافت أن المؤشرات الحالية لا تعكس وجود مخاطر كبيرة من انتقال التضخم إلى مستويات أوسع داخل الاقتصاد الأوروبي، مثل الارتفاع المتسارع للأجور أو تشكل دوامة تضخمية مستمرة، وهو ما يقلل الحاجة إلى تشديد نقدي إضافي في الوقت الراهن.
ولم تقتصر العوامل السلبية المؤثرة على اليورو على اختلاف السياسات النقدية فحسب، بل جاءت البيانات الاقتصادية الأخيرة لتضيف مزيداً من الضغوط على العملة الأوروبية. فقد أظهرت مؤشرات النشاط الاقتصادي تباطؤاً ملحوظاً في عدد من أكبر اقتصادات منطقة اليورو، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا.
وأشارت نتائج مؤشرات مديري المشتريات إلى استمرار ضعف النشاط في بعض القطاعات الرئيسية، الأمر الذي يعكس التحديات التي تواجه الشركات الأوروبية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتباطؤ الطلب. كما أثارت هذه البيانات مخاوف المستثمرين بشأن وتيرة النمو الاقتصادي في المنطقة خلال الفترة المقبلة.
أدى هذا المزيج من العوامل، المتمثل في قوة الدولار المدعومة بالفائدة المرتفعة من جهة، وضعف المؤشرات الاقتصادية الأوروبية من جهة أخرى، إلى تراجع توقعات الأسواق بشأن إمكانية إقدام البنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة مجدداً خلال الأشهر المقبلة.
ويرى مراقبون أن تحركات اليورو خلال الفترة القادمة ستظل مرتبطة بشكل كبير بمسار التضخم في أوروبا والولايات المتحدة، إضافة إلى القرارات المرتقبة للبنوك المركزية الكبرى، والتي ستحدد اتجاهات أسواق العملات العالمية خلال النصف الثاني من العام.