كل شىء على ما يرام!!
يمكن تلخيص برنامج الحكومة خلال الأعوام الماضية فى أربع نقاط رئيسية: الأولى هى الضغط على المواطن، أما الثانية والثالثة فممارسة المزيد والمزيد من هذا الضغط، وأما الرابعة فهى مرحلة التفاؤل وانتظار جنى الثمار، فى هذا البرنامج لم يعد هناك جديد فى خطاب الحكومة ولهجتها أو اللغة التى تتبناها، وصار هناك نوع من التطابق بين جولات الدكتور مدبولى التفقدية وجولات وزراء حكومته أو من ينوب عنهم.
فى تلك الجولات صور ألفناها وابتسامات اعتدنا عليها، ومشاهد تنتهى دائماً بالتوجيه وبعض الإشادات، وليس هناك مانع من أن يتخللها بعض التحذيرات والانفعالات، على غرار جولة رئيس الوزراء بمشروع حدائق تلال الفسطاط أول أمس واعتراض سيادته على شكل «النجيلة» التى تم تجهيزها، قائلاً: «مش عايز النجيلة بالشكل ده تانى»، أو انفعال سيادته خلال جولته بوسط البلد، بعد غلق إشارات المرور قائلاً: «مشى العربيات، مش معنى إن فيه جولة يبقى الدنيا تقف»، والأمثلة كثيرة لا توجد مساحة لذكرها.
المثير للدهشة ليس فى هذا التطابق أو عدم تخلف السادة الوزراء أو من ينوب عنهم عن هذا النهج، بل تجده فى تصريحات أحد الوزراء مدافعاً عن مطالبته بقرض جديد وقدرته على سداد تلك القروض، وأن وزارته لا تأخذ مليماً واحداً من موازنة الدولة، وأن كل المشروعات التى ينفذها تمول من عوائد الوزارة!!، فتزداد ارتباكاً وتعجباً وتتساءل: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تسدد تلك الوزارة القروض السابقة أولاً ثم تبدأ إجراءات الحصول على قرض جديد؟!
خلال هذا البرنامج وهذا التطابق فى النهج والمنهج، ظهرت بعض الحوادث الغريبة على مجتمعنا، من قبيل الانتحار بسبب الديون أو القتل بسبب خلافات أسرية ناتجة عن ضغوط الحياة وغلاء المعيشة، هذه الحوادث تعد مؤشراً خطراً يجب الانتباه إليه، وقد ظهر هذا الخطر جلياً فى حادثين متتابعين خلال هذا الأسبوع، الأول قيام سائق توك توك بإلقاء مادة سريعة الاشتعال على رئيسة الوحدة المحلية لقرية تفتيش أبوسكين التابعة لمركز الحامول، أثناء تنفيذ حملة لإزالة تعديات على الأراضى، ما تسبب فى إصابتها بحروق من الدرجة الثانية، والثانى حادث دهس فتاة فى منطقة حدائق الأهرام والمعروفة إعلامياً بـ«بائعة الشاى»، الذى أثار جدلاً واسعاً وغضباً أوسع بين المصريين بعد حالة اللامبالاة التى ظهر عليها المتهمان أمام جثمان الضحية.
مكمن الخطر فى الحادثة الأولى أن سائق «التوك توك» لم يخشَ القانون ولم يخف من توابع جريمته بالتعدى على موظف حكومى أثناء تأدية عمله، ووصوله إلى المعادلة الصفرية، أما الثانية، فكانت مؤشراً قوياً على ظهور حالة انهيار طبقى، ظهر فى السؤال الذى تداوله الكثيرون: «بنت مين فى مصر»؟ كى تخرج تلك الفتاة القاصر لسانها أمام الجميع فى حالة من اللا مبالاة أمام جريمة قتل، وإن كان خطأ، هذا الإحساس الذى تسلل للبعض بأن دم الفقراء مباح، وإن كان شعوراً زائفاً، مؤشراً خطراً يجب الالتفات إليه.
أخيراً: بين التفاؤل بانتظار عام جنى الثمار الذى لم يأتِ بعد، ومؤشرات الخطر التى أشرنا إليها، تظهر إشكالية «البانغلوسية» أو «التفاؤل الساذج» وهو مصطلح فلسفى يشير إلى التفاؤل الوهمى بأن كل شىء يسير على ما يرام، كل شىء يتجه نحو الأفضل آلياً، وإن كانت جميع المؤشرات تقول غير ذلك، هو التفاؤل بأن ما نفعله هو الصحيح والأصح وعلى الجميع التخلى عن الملاحظة والنقد أو الحديث عن الأخطاء، هو الإيمان دون الالتفات إلى الواقع وما يحدث فيه، هو الإيمان دون توجيه أصابع اليد نحو المنهج الحتمى للأسباب والمسببات أو الإشارات إلى مؤشرات الخطر، وإن حدث، فيكون الاتهام بالسوداوية وتصدير التشاؤم هو المصير.
فى النهاية: نحن ضد النظرة التشاؤمية التى ترى الجانب السلبى فقط، كذلك لسنا مع «التفاؤل الساذج» بالتركيز على الجوانب المشرقة فقط، لأن نتيجة هذه وذاك واحدة، فبداية الحل هى الاعتراف بأن هناك خللاً ما ويجب إصلاحه.
حفظ الله مصر وأهلها من كل سوء.