بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بريطانيا في مهبّ الأزمة: عندما يتحوّل داوننغ ستريت إلى «كرسي موسيقي»

تعيش بريطانيا فصلاً جديداً من الاضطراب السياسي، مع إعلان رئيس الوزراء كير ستارمر استقالته، ليصبح أحدث الأسماء المنضمة إلى سلسلة طويلة من القادة الذين غادروا مقر رئاسة الحكومة في داوننغ ستريت وسط أزمات متلاحقة وهبوط حاد في الشعبية.

جاء ستارمر إلى السلطة بعد فوز كاسح لحزب العمال في انتخابات 2024، أنهى أربعة عشر عاماً من حكم المحافظين، وحمل معه وعوداً بإعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي إلى البلاد. لكن هذه الوعود سرعان ما اصطدمت بواقع أكثر تعقيداً؛ إذ واجهت حكومته أزمة متفاقمة في تكلفة المعيشة، وارتفاعاً مستمراً في أسعار الطاقة، وضغوطاً متزايدة على الخدمات العامة، إلى جانب الجدل المحتدم حول سياسات الهجرة والإنفاق الدفاعي.

ومع تراجع مستويات المعيشة واستمرار الضغوط الاقتصادية، شهدت شعبية الحكومة تآكلاً سريعاً. كما واجه ستارمر انتقادات من داخل حزبه بسبب مواقفه من الحرب في غزة وبرنامج إصلاحات الرعاية الاجتماعية، ما عمّق الانقسامات الداخلية وأضعف قدرته على المناورة السياسية.

غير أن الأزمة الحالية تتجاوز شخص رئيس الوزراء. فالمشهد الحزبي البريطاني يشهد تحولات عميقة تهدد هيمنة الحزبين التقليديين. فحزب «ريفورم يو كيه» اليميني بقيادة نايجل فاراج يواصل التقدم في استطلاعات الرأي، بينما يحقق حزب الخضر مكاسب متزايدة على الجهة الأخرى من الطيف السياسي، في مؤشر إلى تآكل الثقة الشعبية بالأحزاب التاريخية.

اقتصادياً، تبدو التحديات أكثر تعقيداً. فالحكومة تواجه ديوناً ضخمة وتكاليف خدمة دين مرتفعة، فيما تراقب الأسواق المالية أي توجهات جديدة للإنفاق بحذر شديد. ولا يزال شبح أزمة ليز تراس عام 2022 حاضراً في الأذهان، حين أدت قرارات مالية مثيرة للجدل إلى اضطراب الأسواق وهبوط الجنيه الإسترليني.

ومع تداول اسم أندي بيرنهام كأبرز المرشحين لخلافة ستارمر، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع القيادة المقبلة استعادة الثقة المفقودة، أم أن بريطانيا دخلت مرحلة طويلة من عدم الاستقرار السياسي؟ فالمملكة المتحدة لا تبحث اليوم عن رئيس وزراء جديد فحسب، بل عن نظام قادر على استعادة ثقة ناخبيه وإثبات قدرته على الحكم.