بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الاعتصام بحبل الله.. ما المقصود به وكيف يتحقق؟

 الاعتصام بحبل الله
الاعتصام بحبل الله

الاعتصام بحبل الله هو السبيل الذي رسمه القرآن الكريم للمؤمنين من أجل تحقيق الوحدة والتماسك والنجاة من أسباب التفرق والاختلاف، وهو أمر إلهي مباشر جاء في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الاعتصام بحبل الله يمثل بداية الطريق إلى الله تعالى، بينما يأتي الاعتصام بالله في مرتبة أعلى وأسمى، حيث يصل العبد إلى درجة الإحسان وكمال التوكل على ربه سبحانه وتعالى.

الفرق بين الاعتصام بحبل الله والاعتصام بالله

أكد الدكتور علي جمعة أن هناك فرقًا دقيقًا بين الاعتصام بحبل الله والاعتصام بالله، موضحًا أن الاعتصام بحبل الله يعني التمسك بالأسباب التي أمر الله بها، والسير وفق منهجه القويم، والعمل بأوامره واجتناب نواهيه.

أما الاعتصام بالله فهو مرتبة أرقى، إذ يعتمد العبد فيها على الله تعالى في تحقيق النتائج وبلوغ المقاصد بعد الأخذ بالأسباب المشروعة.

وأشار إلى أن الاعتصام بحبل الله هو طريق البداية للمؤمنين السالكين إلى ربهم، بينما الاعتصام بالله هو غاية المنتهين وأهل التحقيق الذين امتلأت قلوبهم باليقين والثقة في الله سبحانه وتعالى.

ما المقصود بحبل الله؟

وأوضح مفتي الجمهورية السابق أن العلماء فسروا حبل الله بأنه دين الله تعالى وكتابه العزيز.

ونقل عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وعن عدد من كبار المفسرين، أن المقصود بحبل الله هو القرآن الكريم وما جاء به من هداية وتشريع.

كما استشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي وصف فيه القرآن بأنه حبل الله المتين، حيث قال: «إن هذا القرآن حبل الله، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه».

ويؤكد هذا الحديث المكانة العظيمة للقرآن الكريم باعتباره المرجع الأول للمسلمين، والمصدر الذي يستمدون منه قيمهم وأخلاقهم وأحكامهم.

القرآن الكريم أساس وحدة المسلمين

وأشار الدكتور علي جمعة إلى أن الاعتصام بحبل الله لا يقتصر على جانب فردي في حياة المسلم، بل يمتد ليشمل المجتمع والأمة بأكملها.

فحين يكون القرآن الكريم هو المرجعية العليا التي يحتكم إليها الجميع، تتحقق وحدة الصف وتزول أسباب النزاع والتنازع.

وأضاف أن الله سبحانه وتعالى ذكّر المؤمنين بنعمة الألفة بعد العداوة، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾.

وهذه الآية تؤكد أن الوحدة الحقيقية لا تتحقق إلا بالرجوع إلى منهج الله والتمسك بتعاليمه.

كيف يتحقق الاعتصام بحبل الله؟

وبيّن عضو هيئة كبار العلماء أن الاعتصام بحبل الله يتحقق من خلال الإيمان الصادق والعمل الصالح، والالتزام بأوامر الله تعالى، والبعد عن المعاصي والمخالفات.

كما يتحقق بجعل القرآن الكريم منهجًا للحياة، يُسترشد به في التعاملات والأخلاق والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وأوضح أن المسلم مطالب بأن يجعل القرآن هو المعيار الذي يزن به أقواله وأفعاله، وأن يخضع لأحكامه دون تردد أو اعتراض، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

تكليف إلهي يشمل الجميع

وشدد الدكتور علي جمعة على أن الاعتصام بحبل الله ليس أمرًا يختص بفئة دون أخرى، بل هو تكليف إلهي موجه إلى جميع المسلمين بلا استثناء.

فالأمر الإلهي جاء بصيغة الجمع في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وهو ما يدل على أن مسؤولية الحفاظ على وحدة الأمة والتمسك بمنهج الله مسؤولية جماعية يشترك فيها الجميع.

ولذلك فإن أي دعوة إلى الفرقة أو التعصب أو النزاع تتعارض مع المقصد القرآني العظيم الذي يدعو إلى الاجتماع على الحق والتعاون على البر والتقوى.

الاعتصام بالله.. ثمرة التمسك بالمنهج

وأوضح مفتي الجمهورية السابق أن العبد إذا التزم بمنهج الله وأخذ بالأسباب المشروعة وواظب على الطاعة والعبادة، انتقل إلى مرتبة أعلى وهي الاعتصام بالله.

وفي هذه المرحلة يصبح القلب متعلقًا بالله وحده، واثقًا في تدبيره، مستندًا إلى عونه وتوفيقه، مدركًا أن النتائج بيده سبحانه مهما بذل الإنسان من جهد وأخذ من أسباب.

وهنا يبلغ المؤمن مرتبة الإحسان التي تعني كمال المراقبة لله والاعتماد عليه في كل شأن من شؤون الحياة.

رسالة قرآنية متجددة

تؤكد كلمات الدكتور علي جمعة أن الاعتصام بحبل الله ليس مجرد شعار يُرفع، بل هو مشروع حياة متكامل يقوم على التمسك بالقرآن الكريم والعمل به وتحكيمه في مختلف جوانب الحياة.

فالقرآن هو حبل الله المتين الذي يحفظ الأمة من التفرق، ويقودها إلى الاستقامة والنجاح في الدنيا والآخرة، ومن تمسك به نجا، ومن أعرض عنه ضل الطريق.

ومن هنا تبقى دعوة القرآن الخالدة: الاعتصام بحبل الله سبيلًا للوحدة والقوة والنهضة، وطريقًا آمنًا للوصول إلى مرضاة الله والفوز بسعادة الدارين.