خارج المقصورة
ابن مدلل
لسنا ضد النجاح.. ولسنا ضد النماذج التى استطاعت أن تفرض نفسها على خريطة سوق المال، لكن ما نرفضه هو أن يتحول النجاح إلى حصانة، أو أن تصبح التجارب الناجحة خارج نطاق الرقابة والمساءلة. ففى أسواق المال لا توجد كيانات أكبر من القانون، ولا نماذج تعلو على الضوابط التى وضعت لحماية السوق والمتعاملين فيه.
التداول الإلكترونى «أون لاين» بلا شك أحد أهم التطورات التى شهدتها صناعة الأوراق المالية خلال السنوات الأخيرة، وأسهم فى جذب شرائح جديدة من المستثمرين، لكن السؤال الذى يفرض نفسه بقوة: هل كل من يمتلك هاتفًا محمولًا أو تطبيقًا إلكترونيًا أصبح مؤهلًا للتعامل فى البورصة؟
الحقيقة أن هذا النموذج يتناسب بصورة أكبر مع المستثمر المحترف، الذى يمتلك أدوات التحليل والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار. أما المستثمر المبتدئ، الذى لا يزال يخطو خطواته الأولى داخل السوق، فقد يجد نفسه فريسة سهلة للمتلاعبين.
الأرقام تتحدث بوضوح، عدد المتعاملين الفعليين فى البورصة المصرية، بعد «فلترة» الحسابات لا يمثل سوى نسبة محدودة للغاية من إجمالى عدد السكان. وهو ما يعنى أن ثقافة الاستثمار فى الأسهم لا تزال فى مراحل النمو، الأمر الذى يستوجب قدرًا أكبر من التوعية والرقابة، وليس فتح الأبواب على مصراعيها دون ضوابط كافية.
خلال الفترة الماضية شهدت البورصة كوارث فى بعض الأسهم، بسبب إحدى شركات السمسرة القائم تعاملاتها على التداول عبر الإنترنت، «أون لاين» والتى تحظى بدعم من الرقابة المالية والبورصة، وكأنها «الابن المدلل»، ربما كونها أسهمت فى زيادة نسبة المتعاملين فى السوق، وربما أيضًا أنها لا تعتمد على إجراءات اعرف عميلك السائد فى كل شركات السمسرة التقليدية، وربما لا يكون هناك تعاقد أيضًا إلا اذ استدعى الأمر ذلك.
منذ فترة دار بينى ورئيس مجلس إدارة هذه الشركة نقاشًا حول أوامر الشراء العشوائية التى ينفذها بعض العملاء دون إدراك كافٍ لطبيعة الأسهم التى يتعاملون عليها، والتى تسببت فى كوارث وخراب بيوت للكثيرين، وكان الرد أن العميل وحده صاحب القرار. وهو رد صحيح من الناحية النظرية، لكنه لا يعفى الشركة نفسها من التوعية والتنبيه ورفع مستوى الإدراك الاستثمارى لدى عملائها.
الرقابة على هذا النوع من التعاملات تزداد تعقيدًا مع تعدد أماكن تنفيذ الأوامر وتغير البيانات الفنية المرتبطة بها، وهو ما يمنح محترفى التلاعب مساحات أوسع للمناورة واستغلال الثغرات التقنية، إذا لم تكن هناك أدوات رقابية متطورة قادرة على مواكبة هذا التطور، وظهر ذلك مؤخرًا فى بعض الأسهم.
هنا تبرز الحاجة إلى تحرك أكثر فاعلية من الرقابة المالية، عبر تعزيز التعاون مع مباحث الإنترنت والجهات المتخصصة فى الجرائم الإلكترونية وتقنيات المعلومات، بما يضمن تتبع الممارسات المشبوهة وإغلاق المنافذ التى قد تستخدم للإضرار بالسوق أو التلاعب بأموال المستثمرين.
< ياسادة.. نحن مع التجارب الناجحة، ومع التطوير والتحديث والتكنولوجيا. لكننا مع تطبيق القانون، واحترام الضوابط، وعدم السماح لأى نموذج- مهما كانت نجاحاته- بأن يتحول إلى استثناء خارج القواعد.