بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

«لفت نظر»

آخر «حبة» دعم

ليس عندى بطاقة تموين ولا أحصل على الخبز المدعم.. وقد يكون هذا شأن الكثيرين غيرى.. ولكن المستفيدين من الدعم ومن بطاقة التموين أكثر بكثير.

ولعل فلسفة اللهجة المصرية كانت دقيقة جداً عندما نحتت مصطلح «العيش» على الخبز للتعبير عن أنه ليس مجرد جزء من طعامهم اليومى وإنما حياتهم وعيشهم بالكامل.

رغيف العيش الآن يراوح مكانه ما بين الدعم العينى والدعم النقدى.. فهل يبدأ الإصلاح من الخبز أم تبدأ المخاوف التى تنتهى بإلغاء كامل للدعم.

ظل رغيف الخبز المدعم عقوداً طويلة أكثر من مجرد سلعة غذائية، فهو يمثل إحدى أهم ركائز العقد الاجتماعى بين الدولة والمواطن. ولذلك أى حديث عن تغيير منظومة دعمه يثير تلقائياً حالة من القلق الشعبى، حتى إن كانت الحكومة تؤكد أن الهدف هو الإصلاح وليس رفع الدعم.

تصريحات وزير التموين الأخيرة حملت رسالة مزدوجة، الأولى طمأنة المصريين بأن الدعم لن يختفى، والثانية أن المنظومة الحالية لم تعد قابلة للاستمرار بعد أن وصل حجم الفساد فيها إلى نحو 30 مليار جنيه سنوياً. وهو رقم يعكس أن جزءاً كبيراً من الأموال العامة لا يصل إلى مستحقيه، بل يتسرب عبر حلقات متعددة من التجاوزات والتلاعب.

الوزير لم يتحدث عن إلغاء الدعم، وإنما عن تغيير طريقته. فبدلاً من إلزام المواطن بشراء رغيف مدعم بوزن محدد، سيحصل على دعم نقدى يمنحه حرية الاختيار بين أرغفة بأوزان وأسعار مختلفة. ومن الناحية الاقتصادية، تبدو الفكرة أكثر مرونة، إذ تسمح للمواطن بتحديد احتياجاته، وتمنح المخابز مساحة أكبر للتنافس فى الجودة والوزن.

لكن هذه الرؤية تصطدم بمخاوف حقيقية لدى المواطنين، لأن التجربة المصرية مع التحول من الدعم العينى إلى النقدى ما زالت تثير تساؤلات حول قدرة الدعم النقدى على الحفاظ على قيمته مع مرور الوقت وارتفاع الأسعار؛ فالمواطن لا يخشى فقط تغيير طريقة الصرف، وإنما يخشى أن يصبح المبلغ النقدى غير كافٍ بعد سنوات قليلة، بينما كان رغيف الخبز يظل مضموناً مهما ارتفعت تكلفته.

ومن النقاط اللافتة فى تصريحات الوزير الأخيرة اعترافه بأن 60% من المخابز لم تكن تلتزم أصلاً بوزن الرغيف المدعم المحدد بـ90 جراماً، وهو ما يكشف أن المشكلة ليست فقط فى منظومة الدعم، بل فى ضعف الرقابة والتنفيذ. فإذا كانت الرقابة لم تستطع ضمان وزن الرغيف، فإن نجاح منظومة الدعم النقدى سيتطلب رقابة أكثر دقة على الأسعار والأوزان حتى لا يتحول الإصلاح إلى عبء جديد على المواطنين.

كما أن حذف 850 ألف غير مستحق من البطاقات التموينية، بسبب امتلاك سيارات أو إلحاق الأبناء بمدارس أجنبية، يعكس اتجاه الدولة نحو إعادة توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً. وهذه خطوة تبدو منطقية إذا تمت وفق معايير دقيقة وعادلة، لأن استمرار استفادة غير المستحقين يعنى حرمان الأسر الأكثر احتياجاً من نصيبها الحقيقى فى الدعم.

ومع ذلك، نجاح أى إصلاح لا يعتمد فقط على صحة الفكرة، وإنما على بناء الثقة. والمصريون لا يدافعون عن رغيف الخبز باعتباره مجرد سلعة، بل باعتباره رمزاً للاستقرار والأمان الاجتماعى. لذلك الرسالة التى تنتظرها الأسر المصرية ليست أن الدعم سيتحول إلى نقد، وإنما أن تظل قيمة هذا الدعم محفوظة ولا تتآكل بفعل التضخم.

لهذا التحدى الحقيقى أمام الحكومة ليس إقناع المواطنين بأن المنظومة الحالية بها فساد، فذلك أصبح واضحاً، وإنما إقناعهم بأن المنظومة الجديدة ستكون أكثر عدالة، وأن الدعم النقدى سيواكب أى زيادة فى الأسعار، ولن يكون خطوة أولى نحو اختفاء الدعم تدريجياً.

فى النهاية، يبدو أن الدولة عازمة على الانتقال إلى نموذج أكثر كفاءة فى إدارة الدعم، لكن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهوناً بضمانات واضحة، أهمها الحفاظ على القوة الشرائية للدعم، وتحديث قيمته بصورة دورية، وإبقاء رغيف الخبز فى متناول كل أسرة مصرية تحتاج إليه. فالإصلاح الحقيقى هو الذى يقضى على الفساد دون أن يمس شعور المواطن بالأمان، ودون أن يتحول رغيف العيش، الذى ظل عقوداً عنواناً للعدالة الاجتماعية، إلى مصدر جديد للقلق.

 

[email protected]