الستون يوماً القادمة أخطر من الحرب
أخيراً.. أخيراً، وبعد شهور من التصعيد، وسنوات من العقوبات، وأسابيع من الحرب التى خنقت شرايين الاقتصاد العالمى، ووضعت الشرق الأوسط على حافة الانفجار الكبير، يبدو أن واشنطن وطهران نجحتا أخيراً فى الوصول إلى مذكرة تفاهم طال انتظارها. تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لوقف الحرب والتصعيد العسكرى. لكن السؤال الحقيقى الذى يجب أن يطرح اليوم ليس: هل تم التوقيع؟ بل: ماذا بعد التوقيع؟
للوهلة الأولى يبدو أن الجميع خرج رابحاً. الولايات المتحدة حصلت على تجميد مؤقت للمسار النووى الإيرانى، وعلى تعهدات بعدم إنتاج سلاح نووى، وعلى فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، بما يضمن استقرار أسواق الطاقة العالمية. وإيران من جانبها حصلت على ما كانت تطالب به منذ سنوات: الإفراج عن جزء من أموالها المجمدة، وتخفيف القيود الاقتصادية، وفتح الباب أمام عودة صادراتها النفطية، فضلاً عن اعتراف أمريكى عملى بأنها لاعب إقليمى لا يمكن تجاهله أو تجاوزه. لكن خلف هذه الصورة تبدو أسئلة أكثر تعقيداً.
فما تم التوقيع عليه لا يشير إلى اتفاق سلام نهائى، وإنما إلى مذكرة تفاهم إطارية مؤقتة هدفها الأساسى وقف الحرب، والتمهيد لمسار تفاوضى أكثر تعقيداً حول الملف النووى والعقوبات ومستقبل الترتيبات الأمنية فى الخليج. وهذا الفارق بالغ الأهمية، فالكثير من التعليقات الإعلامية تتعامل مع الأمر كأنه اتفاق تاريخى مكتمل، بينما النصوص المتداولة نفسها تتحدث عن فترة انتقالية مدتها 60 يوماً قابلة للتمديد، يعقبها تفاوض على القضايا الجوهرية التى لم تحسم بعد. وبمعنى آخر، ما جرى الاتفاق عليه هو إطار لإدارة الأزمة، وليس حلاً نهائياً للأزمة.
لكن العقبة الأخطر ليست فى طهران أو واشنطن، بل فى تل أبيب. فمنذ اللحظة الأولى ظهرت مؤشرات واضحة على أن إسرائيل رافضة لأى شكل من أشكال التسوية على عكس رغبة الإدارة الأمريكية. تصريحات نتنياهو ووزرائه بشأن لبنان، ورفضهم الاعتراف بأى التزامات مترتبة على التفاهم مع إيران، واستمرار القصف والغارات الإسرائيلية على لبنان كلها تكشف أن إسرائيل تعارض الاتفاق ليس فقط بسبب بنوده، بل لأن الحرب لم تحقق أهدافها الاستراتيجية كاملة تجاه إيران، ولأن أى تسوية تمنح طهران مكاسب سياسية أو اقتصادية تضعف سردية النصر التى يحتاجها نتنياهو داخلياً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. لذا يبقى التحدى الأكبر أمام الاتفاق هو قدرة واشنطن على ضبط سلوك وجموح حليفتها الإسرائيلية بنفس القدر الذى تضغط به على خصمها الإيرانى. فخلال الستين يوماً المقبلة ستكون كل رصاصة فى المنطقة قادرة على تهديد الاتفاق، وكل صاروخ يمكن أن ينسف شهوراً من التفاوض. الخطر الأكبر على الاتفاق خلال الستين يوماً القادمة سيظل مرتبطاً بالساحة اللبنانية وبقدرة واشنطن على ترجمة هذا الضغط السياسى إلى ضبط فعلى للسلوك الإسرائيلى على الأرض.
نحن إذن بصدد ستين يوماً مفخخة، لذلك، السؤال الحقيقى هل تملك كل من واشنطن وطهران القدرة على حماية هذه المذكرة من ألغام السياسة الإقليمية خلال الأسابيع المقبلة. قد لا يكون من المبالغة قول: إن الستين يوماً القادمة أخطر من الحرب نفسها، لأنها المدة التى سيحسم خلالها ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية تاريخية أم نحو جولة جديدة من الصراع أكثر تعقيداً وأوسع نطاقاً.