روسيا تحت النار
«قمة السبع» تمنح الضوء الأخضر لأوكرانيا بتفجير عصب الطاقة
شهدت العاصمة الروسية موسكو، أمس، أكبر هجوم بطائرات مسيرة منذ اندلاع الحرب قبل أربع سنوات، حيث تمكنت القوات الأوكرانية من استهداف مصفاة نفط كبرى فى جنوب شرق المدينة، ما أدى إلى اندلاع حرائق هائلة وتصاعد أعمدة دخان أسود شوهدت من وسط العاصمة، ونظراً لضخامة الحادث تم إجلاء ركاب مطار شيريميتييفو الدولى، كما استمر الحريق على مدار ساعات طويلة، فيما أغلقت السلطات الطرق المؤدية إلى المصفاة.
وسبق الهجوم محادثات بين الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» والأوكرانى «فولوديمير زيلينسكى» والرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، بعد لقائه قادة آخرين حضروا اجتماع مجموعة السبع. ووصف اللقاء بأنه تنسيقى لمحاولة إنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات.
ولم تكتف مجموعة السبع بإعلان تضامنها مع أوكرانيا، بل انطلقت نحو مواجهة مفتوحة مع موسكو على صعيدها الأكثر حساسية، عصب الطاقة الروسى. فبينما كان قادة الغرب يوقعون على حزمة عقوبات نفطية غير مسبوقة، كانت مسيرات كييف تشق سماء موسكو لتضرب فى مقتل أكبر مصفاة لتكرير النفط فى العاصمة الروسية.
وجاء الهجوم الذى وصفه المسئولون الروس بـ«الواسع النطاق» بالتزامن مع استضافة الرئيس فلاديمير بوتين لقادة دول جنوب شرق آسيا فى قمة روسيا - آسيان المنعقدة فى مدينة كازان، فى توقيت يحمل رسائل سياسية وعسكرية متعددة.
وفقاً لرئيس بلدية موسكو، سيرغى سوبيانين: «فقد تمكنت عدة مسيرات من الوصول إلى مصفاة النفط «إم إن بى زى» التابعة لشركة «غازبروم» فى منطقة كابوتنيا، التى تؤمن أكثر من ثلث احتياجات الوقود للعاصمة، خاصة لمطاراتها»، وأشار إلى أن الدفاعات الجوية الروسية أسقطت 43 مسيرة خلال الليل، فيما ذكرت وزارة الدفاع الروسية أنها اعترضت أكثر من 500 مسيرة أوكرانية فى مختلف المناطق خلال الليل.
وفى حى جوكوفسكى بموسكو الكبرى، تحطمت مسيرة داخل مبنى سكنى، بينما تسبب حطام مسيرة أخرى فى اندلاع حريق فى مركز تجارى قرب ضواحى العاصمة، من دون تسجيل إصابات، بحسب حاكم المنطقة أندريه فوروبيوف.
كما أعلنت إدارة مطار شيريميتييفو، أحد المطارات الرئيسية فى العاصمة، عن إجلاء الركاب وأفراد الطواقم والعاملين إلى ملاجئ آمنة، وفرضت قيوداً على حركة الطيران، قبل أن تعلن عن رفع الإجراءات وعودة الحركة تدريجياً فى الساعات الأولى من الصباح.
وفى أول تعليق رسمى، صرح زيلينسكى خلال لقاء صحفى قائلاً: «إن الهجوم هو رد مبرر تماماً على الهجمات الروسية على مدننا ومجتمعاتنا، فضلاً عن كونه نتيجة مهمة أخرى لعمليات مقاتلينا ضد المنشآت التى تدعم آلة الحرب الروسية».
كما شدد على ضرورة أن يدرك الشعب الروسى أن الرئيس فلاديمير بوتين هو وحده من يخوض هذه الحرب، بينما يدفع المواطنون الروس الثمن كاملاً من اقتصادهم وأمنهم، وأضاف: لا نريد هذه الحرب ولم نردها أبداً، لكن إذا كانت أوكرانيا تحترق، فموسكو ستحترق أيضاً.
ووصف زيلينسكى الهجمات بأنها «عقوبات بعيدة المدى» من جانب كييف، مضيفاً: «لقد حان الوقت لإنهاء الحرب، وعلى روسيا اتخاذ الخطوات اللازمة على الصعيد الدبلوماسى».
فى المقابل، أطلقت روسيا أكثر من 200 مسيرة وعدداً من الصواريخ الباليستية على أوكرانيا خلال الليلة الماضية، ما أدى إلى هروب السكان إلى الملاجئ بعد دوى انفجارات ناجمة عن تشغيل أنظمة الدفاع الجوى، وذلك وفق القوات الجوية الأوكرانية.
وتعد العملية تطوراً نوعياً فى قدرات أوكرانيا الهجومية، حيث كثفت فى الأشهر الأخيرة ضرباتها داخل الأراضى الروسية، مستهدفة خصوصاً منشآت نقل المحروقات وتخزينها، فى مسعى لتقويض قدرة موسكو على تمويل عملياتها العسكرية. وتعد هذه المرة الثانية خلال شهر يونيو التى تنفذ فيها كييف هجوماً واسع النطاق بالتزامن مع قمة دولية، إذ سبق أن استهدفت سانت بطرسبرج خلال انعقاد المنتدى الاقتصادى.
وعن رد فعل الرئيس الروسى بوتين، بعد ساعات من الهجوم، ظهر فى صورة جماعية مع قادة آسيويين خلال قمة روسيا -آسيان، من دون أن يتطرق فى كلمته الافتتاحية إلى الضربة الأوكرانية.
ويأتى هذا الهجوم والذى يستهدف العمق الاستراتيجى الروسى، ليكشف عن معادلة جديدة فرضتها المسيرات الأوكرانية على الكرملين، حيث أصبحت المدن الروسية الكبرى وبنيتها التحتية الحيوية فى مرمى النيران، فالمصفاة التى تضررت ليست مجرد منشأة صناعية، بل شريان حياة يغذى العاصمة بالوقود، وما أصابها ينعكس على مئات الآلاف من الروس فى حياتهم اليومية، فى رسالة واضحة بأن ثمناً يدفعه الطرفان فى هذه الحرب، ليجد الرئيس بوتين نفسه أمام مأزق مزدوج، فبينما يستضيف قادة آسيويين فى قمة تسعى لتأكيد مكانة روسيا الدولية، توجه أنظار العالم إلى سماء موسكو المتصاعدة منها أعمدة الدخان، فى تناقض صارخ بين صورة القوة التى يسعى الكرملين لترسيخها وحقيقة الضعف التى تكشفها المسيرات الأوكرانية يوماً بعد يوم.