الذهب الأصفر في قوالب الفخار..
"الجلاب" أيقونة التراث الصعيدي وآيس كريم الغلابة بالمنيا
في وقتٍ تكتسح فيه الحلوى المصنعة والحديثة الأسواق ، تحافظ قرية "المنشأة " التابعة لمركز ملوي ، جنوب محافظة المنيا ، على سر واحدة من أقدم الصناعات التراثية في صعيد مصر "الجلاب"، أو كما يعرفه الأهالي بـ "كوز العسل"، "قمع السكر"" نبوت الخفير " ، أو "آيس كريم الغلابة"، ليس مجرد حلوى شعبية؛ بل هو هوية بصرية وثقافية للمجتمع الصعيدي، وقصة كفاح يتوارثها الأحفاد عن الأجداد داخل عصارات القصب التقليدية.
من السائل الأسود إلى القمع الذهبي (رحلة التصنيع)
وبحسب المصنعين ، لا تولد "الجلابة" بمظهرها المخروطي الذهبي بسهولة، بل تمر برحلة شاقة تعتمد بالدرجة الأولى على خبرة الصانع وحواسه الدقيقة: الطبخ في "النحاسة": تبدأ الرحلة بوضع العسل الأسود النقي ذي الكثافة العالية داخل أوانٍ نحاسية ضخمة تُسمى "النحاسة"، وتُعرّض لدرجات حرارة مرتفعة جداً مع التقليب المستمر دون توقف.
التحول اللوني والتماسك ، مع الغليان المستمر، يتحول لون العسل تدريجياً من الأسود الداكن إلى اللون الأصفر الفاتح. وفي اللحظة المناسبة، يضيف الصانع مادة "الكربونات" بنسب دقيقة تضمن تماسك الخليط وتحوله إلى قوام "هشّ" وقابل للتشكيل.
صب الأقماع الفخارية: يُصب الخليط الساخن بسرعة فائقة داخل قوالب فخارية صغيرة تشبه "القمع"، وتُترك تحت أشعة الشمس المباشرة لعدة ساعات حتى تجف تماماً، قبل أن يتم "تمليحها" (إخراجها من القوالب) لتعريضها للهواء لتكتسب صلابتها النهائية.
التعبئة في "المقاطف": يُرص الجلاب بعناية داخل "مقاطف" مصنوعة من خوص النخيل، لحمايته أثناء النقل، لتنطلق الرحلة نحو الأسواق.
الأبعاد الإقتصادية والإجتماعية في حوار الشارع
يمثل الجلاب نموذجاً حياً للإقتصاد الشعبي المستدام؛ حيث تتراوح أسعار "الجلابة" الواحدة حالياً ما بين 2 لــ 5 جنيهات مصرية تبعاً للحجم، مما يجعلها الحلوى الأكثر ملاءمة للطبقات البسيطة، ولا تخلو رحلة بيع الجلاب من مسحة فلكلورية؛ إذ يطوف الباعة الميادين، القطارات، ومحيط المدارس، منادين بعبارات ذات نغمات مميزة ومحببة للآذان، تربط المنتج بموطنه الأصلي وبركات أوليائه، مثل: "جلاب العود للموعد ياعسل .. آيس كريم الغلابة" > " الجلاب.. نبوت الغفير ... قرب .
صيدلية ريفية متكاملة (الفوائد والمحاذير)
بعيداً عن نكهته المدخنة الفريدة، يُعد الجلاب بديلاً صحياً ممتازاً للحلوى الصناعية، فهو يستمد قيمته الغذائية من العسل الأسود النقي: حيث يقبل على شراءه الأطفال وكبار وصغار السن بقرى ومدن المنيا ، لفوائده الصحية وسهولة هضمه ، ورخص سعره .
مخزن للطاقة والمعادن: غني جداً بالحديد، الكالسيوم، والبوتاسيوم.
محارب للأنيميا: يوصف "الجلاب " شعبياً كعلاج طبيعي فعال لحالات فقر الدم، فضلاً عن دورة في تعزيز المناعة ومدّ الجسم بالطاقة الحيوية سريعة الامتصاص، و بالرغم من فوائده المتعددة، يشير خبراء الصحة ، إلى ضرورة توخي الحذر واستهلاكه بكميات مقننة لمرضى السكري، نظراً لتركيز السكريات العالي فيه.
تحديات البقاء وبناء المستقبل
تواجه هذه الحرفة اليدوية اليوم تحديات جمة تهدد استمرارها، لعل أبرزها، الإرتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج والمواد الخام، وكذلك تراجع أعداد الحرفيين الشباب الذين يتقنون أسرار "النحاسة" والطبخ الميداني.
زحف المنتجات والمصنعات الغذائية الحديثة المغلفة.
خلاصة القول: إن "جلاب السكر" ليس مجرد قطعة حلوى، بل هو قطعة من تاريخ الصعيد وعاداته ، وحماية هذه الحرفة من الإندثار تتطلب التفاتة حقيقية لتوثيقها كجزء من الهوية الغذائية المصرية، ودعم صناعها في قنا لتبقى العصارات التراثية تنبض بالحياة، ويبقى للماضي مذاقه الذي لا يُنسى.
