بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

نص خطبة الجمعة الثانية اليوم بعنوان "التحذير من الغش في الامتحانات"

بوابة الوفد الإلكترونية

 كشفت وزارة الأوقاف المصرية عبر منصتها الرقمية عن نص خطبتي الجمعة الثانية اليوم الموافق 19 يونيو، التي من المقرر أن تأتي بعنوان: التحذير من الغش في الامتحانات.

نص خطبة الجمعة الثانية اليوم:

 الحمدُ للهِ على إحسانِهِ، والشكرُ لهُ على توفيقِهِ وامتنانِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وبعدُ:

نص خطبة الجمعة الثانية:

 إن الغِش في الامتحانات من أكثر السُّلوكيات السَّلبية انتشارًا في البيئات التَّعليمية على اختلاف مراحلها، وتكمن خطورة هذا السُّلوك في كونه لا يقتصر على مجرد تجاوز اختبارات دراسية، بل يؤسس لمنظومة فكريَّة مشوَّهة تقوم على الخِداع، وانتهاك الأمانة، وتفريغ التَّعليم من جوهره، مما يؤدِّي إلى إضعاف البنية الأخلاقيَّة والمعرفيَّة للمجتمع.

حُرمة الغِشِّ بجميع صُورِه وأشكاله:
 جاء الإسلام بكل خلق حسن يصون المجتمع عن المضارِّ والأخطار، ومن ذلك: "تحريم الغش بكافة صوره"، فهو خُلُقٌ ذميمٌ، وجريمةٌ منكَرةٌ؛ لأن فيه تضييعًا للأمانة والحقوق، وتجاوزًا للثوابت والحقائق؛ ولذا لم يكن من صفات أهل الإيمان؛ فعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَن غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» [رواه مسلم].

 والمراد بقوله: «لَيْسَ مِنِّي»: الإخبار أن الغش ليس من أخلاق أهل الإيمان، فإن صفتَهم التَّناصح في الدِّين، قال العلامة الطِّيبي: "لم يرد نفيه عن الإِسلام، بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين" [فيض القدير].

 ومفهوم الغِشِّ واسعٌ، فهو ليس مقصورًا على البَيعِ والشِّراء فحسب، بل هو أعمُّ وأشمل من ذلك، وفي هذا يقول الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين: "وليس الغش قاصرًا على البيع والشراء، فإنه كذلك يكون في الزواج...، كما يكون في الامتحان بإبراز الجاهل في صورة العالم أمامَ المصحِّحين وبإبراز المفلسين والمهملين في صورة الأذكياء المجدِّين، كما يكون الغش في الوظائف العامَّة، والأعمال الخاصَّة، وفي كل المعاملات بإخفاء القُبح، وإبراز الحُسن غير الحقيقي على سبيل التَّغرير والخداع، وإنَّما قرَن الغش بالبيع والشراء؛ لأنه أكثر ما يكون فيه" [فتح المنعم].

الغش في الامتحانات من أعظم الجرائم الأخلاقية:
 المعصية المتعدِّية أعظمُ عقوبةً وخطرًا من المعصية القاصرةِ، والغشِّ في الامتحانات يتعدَّي ضرره للغير حيث يُضْعِفُ مستوى التَّعليم، ويُفقِد الشَّهادات مصداقيَّتها، ويُخرِّج للمجتمع جهلة يحملون شهادة زور، ومن ثمَّ يؤثِّر سلبًا على أداء الخريجين مستقبلًا في كافة مجالات الحياة؛ بل ينافسون الفضلاء المجدين، الذين أسهروا ليلهم، وقطعوا أيَّامهم في طلب العلم مما يضيِّع فرصَهم، وبالتَّالي تتعطَّل مصالحُ الأوطان.

 إن "الغش في الامتحان" فيه إلحاق للأذى بالبشرية، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَیۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُوا۟ بُهۡتَٰنࣰا وَإِثۡمࣰا مُّبِینࣰا﴾ [الأحزاب: ٥٨].

 يقول العلامة محمد بن عَلَّان الصديقي: "ومن أشدِّ الإِيذاء "الغش"؛ لِمَا فيه من تزيين غير المصلحة، والخديعة لِمَا فيها من إيصال الشر إليه من غير علمه" [دليل الفالحين].

 وتتنوع صور الغشِّ بين الطُّرق التَّقليدية؛ مثل: تبادُل الأوراق والنقل المباشر، والوسائل الرقمية، كاستخدام الهواتف الذكية، وسماعات البلوتوث، وتطبيقات المحادثة، كما قد يتخِذ الغش شكل تواطؤ من بعض القائمين على الامتحانات، أو تسريب الأسئلة مقابل المال أو النفوذ، وهو ما يشكِّل جريمة أخلاقيَّة وتعليميَّة ومجتمعيَّة مزدوجة.

لا تظنّ أنَّك ستُفلح في حياتك أو ستنجحُ بالغشِّ:
 إنَّ الله تعالى لا يُضيع أجرَ من أحسن عملًا، وإذا عملت عملًا مبناه على الغش فاعلم أنَّك تأكل حرامًا، أخذت بهذا العمل حق غيرك وجهده، قال ابن حجر الهيتمي: "وَالْأَحَادِيثُ فِي الْغِشِّ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ كَثِيرَةٌ ... فَمَنْ تَأَمَّلَهَا وَوَفَّقَهُ اللَّهُ لِفَهْمِهَا، وَالْعَمَلِ بِهَا انْكَفَّ عَنْ الْغِشِّ، وَعَلِمَ عَظِيمَ قُبْحِهِ، وَخَطَرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَمْحَقَ مَا حَصَّلَهُ الْغَاشُونَ بِغِشِّهِمْ" [الزواجر].

 وكذا من يسمح بالغشِّ لطُلابنا فإنه يهمل واجباته الوظيفية، وعليه المسئوليَّة أمام الله تعالى، وفي "صحيح البخاري": «مَا مِنْ وَالٍ (مطلق الولاية) يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ».

الغاشُّ ومساعدُه في الوِزر سواء:
 إنَّ هذا الفعل الدنيئ يدل على خُبث النَّفس، وظُلمة القلب، وقِلَّة الدين والمروءة، وهو صفة الذين يسعَون في الأرض فسادًا؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه].

 وعَنْ سَعْد بن أبي وقاص عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ» [رواه البيهقي].

 وكذا من يُعين على الغشِّ، أو يتجاهل القيامَ بمسئولية منعه أو الإبلاغ عنه، هو والغاشُّ في الإثم سواء؛ لأنه مقصِّر فيما أُنيط به من عملٍ، وفعله هذا من باب التَّعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢]، فضلًا عن أنَّه خائنٌ للأمانة التي ائتمنه اللهُ عليها، قال تعالى: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضࣰا فَلۡیُؤَدِّ ٱلَّذِی ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡیَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقال أيضًا: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤا۟ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].

 وما من خائنٍ إلا تُمثَّل له خيانتُه وغدرتُه؛ لواءً يُعقد خلفَ ظهرِه، ثم يُرمى بخيانته في النار؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ» [رواه مسلم].

 قال الإمام النووي: "وفي هذا الحديث بيانُ غِلَظ تحريم الغدر لا سيما صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر؛ لقدرته على الوفاء، والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الغادر، وذكر القاضي عياض احتمالين، أحدهما هذا، وهو نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته وللكفار وغيرهم، وغدره للأمانة التي قلَّدها لرعيَّته، والتزام القيام بها، والمحافظة عليها، فمتى خانهم، أو ترك الشفقة عليهم، والرفق بهم فقد غدر بعهده" [المنهاج].

الغاشُّ في الامتحان يعاقِبه اللهُ بضد قَصدِه:
 يُربِّي الإسلامُ الإنسانَ على الوضوح والصفاء، والجد والتَّعب، والصِّدق، ولا يُربيه على البطالة والكسل، والاعتماد على الغير في السعي، والأخذ بالأسباب، بينما الذي يغش في الامتحان يودُّ النَّجاح والتَّفوق، والوصول إلى القِمَّة على حِساب الآخرين، فهو لم يطلُب العِلم ابتغاءَ وجهِ الله؛ ولذا كان جزاؤه من جنسِ عمله، فهو محروم التوفيق، والمدَدِ والعَون، ويُبتلى بمحْقِ البركة في حياته، بل ما يتحصَّل عليه من وظيفة أو مال يُعد أكلًا للحرام، فضلًا عما ينتظره في الآخرة؛ فعن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ العُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» [رواه الترمذي وابن ماجه].

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي رِيحَهَا. [رواه أبو داود].

الأضرار الفردية والمجتمعية للغش:
 الغِش لا يُعد مخالفة تعليميَّة فحسب، بل هو بوابة إلى ضعفِ الضَّمير، وتشويه التَّنافس الشَّريف، وغياب العدالة، وتكريس قِيم الزَّيف والأنانية، وتنعكس آثارُه على الفرد في صورة فِقْدانِ الثِّقة بالنَّفس، واعتياد الالتفاف على القانونِ، بينما يؤدي، على مستوى المجتمع، إلى إنتاج جيلٍ يحمل شهادات بلا كفاءة، ويفتقر إلى الجَدارة والنزاهة.