بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

من الصوب الجافة لإنتاج السماد العضوي إلى المدفن الصحي الجديد.. منظومة متكاملة تعمل خلف الكواليس لحماية البحر الأحمر

رحلة الـ400 طن قمامة يوميًا.. كيف تحمي الغردقة شواطئها من مخلفات ملايين السائحين؟

بوابة الوفد الإلكترونية

في الوقت الذي يستمتع فيه ملايين السائحين سنويًا بشواطئ الغردقة الساحرة ومياه البحر الأحمر الصافية، تدور خلف الكواليس معركة يومية لا يراها أحد، معركة تبدأ من مخلفات الفنادق والمطاعم والمنتجعات السياحية، وتنتهي داخل منظومة متكاملة لإدارة النفايات تضم مصنع التدوير والمدفن الصحي الجديد وجمعية حماية البيئة والمحافظة عليها بالبحر الأحمر "هيبكا"، بهدف حماية البيئة البحرية والحفاظ على واحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم.

 

ومع التوسع السياحي والعمراني الذي تشهده مدن البحر الأحمر، خاصة الغردقة ومرسى علم، ارتفعت كميات المخلفات التي يتم التعامل معها يوميًا إلى نحو 400 طن، وهو رقم يزداد خلال مواسم الذروة والإجازات، ما فرض تحديات كبيرة على الجهات المسؤولة عن إدارة المخلفات.

 

رحلة القمامة تبدأ من الفنادق

مع الساعات الأولى من كل يوم، تنطلق سيارات الجمع من الفنادق والقرى السياحية والمطاعم والمناطق السكنية، حاملة مئات الأطنان من المخلفات إلى مصنع إدارة المخلفات بالغردقة.

 

 

داخل المصنع، تبدأ المرحلة الأولى من التعامل مع النفايات، حيث تمر عبر خطوط فرز حديثة تعتمد على التكنولوجيا الألمانية والهولندية، وتضم نحو 18 محطة فرز لاستخراج المواد القابلة لإعادة التدوير مثل البلاستيك والزجاج والمعادن والكرتون.

 

 

ويستقبل المصنع كميات تتراوح بين 350 و450 طنًا يوميًا من المخلفات، يتم التعامل معها وفق منظومة تهدف إلى تقليل حجم النفايات المرسلة إلى المدفن الصحي والاستفادة القصوى من المواد القابلة لإعادة الاستخدام.

 

الصوب الجافة.. تحويل المخلفات إلى ثروة

بعيدًا عن الصورة التقليدية للقمامة، تتحول كميات كبيرة من مخلفات الطعام الناتجة عن الفنادق والمطاعم إلى مورد اقتصادي وبيئي مهم.

 

فداخل منظومة المعالجة يتم استخدام تقنيات الصوب الجافة لمعالجة المخلفات العضوية، حيث تخضع بقايا الأطعمة والنباتات لعمليات تجفيف وتحلل مدروسة تسمح بتحويلها إلى أسمدة عضوية تستخدم في أعمال التشجير والزراعة.

 

وتساهم هذه التقنية في تقليل المخلفات الموجهة للدفن النهائي، كما تحد من الانبعاثات البيئية الناتجة عن التحلل العشوائي للمخلفات العضوية، وتدعم توجه الدولة نحو الاقتصاد الدائري والاستفادة من الموارد المتاحة.

 

مدفن صحي على مساحة 160 فدانًا

بعد الانتهاء من عمليات الفرز والتدوير والمعالجة، يتم نقل المرفوضات غير القابلة للاستفادة إلى المدفن الصحي الجديد الذي أُنشئ على مساحة 160 فدانًا وفق أحدث المعايير البيئية.

 

ويمثل المشروع أحد أهم مشروعات البنية التحتية البيئية بمحافظة البحر الأحمر، حيث تم تصميمه لمنع تسرب العصارة إلى التربة أو المياه الجوفية، مع تطبيق أنظمة رقابة بيئية دقيقة تضمن التخلص الآمن من المخلفات المتبقية.

 

وتستهدف المحافظة رفع القدرة الاستيعابية للمنظومة إلى نحو 600 طن يومياً لمواكبة النمو المتسارع في أعداد السائحين والتوسعات العمرانية الجديدة.

 

هيبكا.. شريك أساسي في المنظومة

وفي قلب هذه المنظومة تبرز جمعية حماية البيئة والمحافظة عليها بالبحر الأحمر "هيبكا"، التي لعبت دوراً محورياً في تطوير وإدارة منظومة المخلفات الصلبة بالغردقة ومرسى علم على مدار سنوات.

 

وتعمل الجمعية على تنفيذ برامج الإدارة المتكاملة للمخلفات، والمشاركة في عمليات الفرز وإعادة التدوير والتوعية البيئية، إلى جانب دعم جهود المحافظة في حماية الشعاب المرجانية والحد من مصادر التلوث.

 

 

وتؤكد الجمعية أن إدارة المخلفات لا ترتبط فقط بالنظافة العامة، بل تمثل خط الدفاع الأول عن البيئة البحرية، خاصة أن أي تسرب للنفايات البلاستيكية إلى البحر يمكن أن يشكل تهديدًا مباشرًا للشعاب المرجانية والكائنات البحرية النادرة التي يتميز بها البحر الأحمر.

 

حرب على البلاستيك أحادي الاستخدام

وخلال السنوات الأخيرة، قادت هيبكا بالتعاون مع محافظة البحر الأحمر والقطاع السياحي حملات واسعة للحد من استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام داخل الفنادق والمنشآت السياحية.

 

وشملت الجهود التوسع في استخدام البدائل الصديقة للبيئة، وتنظيم حملات توعية للعاملين بالقطاع السياحي والمواطنين، إلى جانب مبادرات لتنظيف الشواطئ وحماية الحياة البحرية.

 

وتأتي هذه الإجراءات في إطار رؤية أوسع تستهدف تحويل البحر الأحمر إلى نموذج للسياحة المستدامة، بما يتوافق مع المعايير البيئية العالمية ويحافظ على الموارد الطبيعية التي تمثل أساس النشاط السياحي بالمحافظة.

 

تحدٍ يتضاعف مع موسم الصيف

ومع دخول موسم الصيف وارتفاع نسب الإشغال الفندقي، تواجه منظومة المخلفات اختبارًا حقيقيًا، إذ ترتفع كميات النفايات الناتجة عن الأنشطة السياحية والترفيهية والمطاعم بصورة ملحوظة.

 

لكن المسؤولين يؤكدون أن المنظومة الحالية تعتمد على تكامل عمليات الجمع والنقل والفرز والتدوير والمعالجة والدفن الصحي، بما يضمن استمرار تقديم الخدمة بكفاءة دون التأثير على المظهر الحضاري للمدن السياحية.

 

كما تواصل المحافظة تطوير البنية التحتية الخاصة بإدارة المخلفات، بالتعاون مع الجهات المعنية والقطاع السياحي ومنظمات المجتمع المدني، لضمان مواكبة النمو المتوقع في الحركة السياحية خلال السنوات المقبلة.

 

خلف الصورة الجميلة

وراء كل شاطئ نظيف في الغردقة، وكل صورة يلتقطها سائح أمام مياه البحر الأحمر الصافية، تعمل منظومة متكاملة تضم مئات العاملين وعشرات المعدات وخبرات فنية وبيئية متخصصة.

إنها رحلة يومية تبدأ بنحو 400 طن من المخلفات، يجرى فرزها وإعادة تدوير جزء كبير منها، وتحويل جزء آخر إلى أسمدة عضوية، بينما يتم التخلص من المتبقي داخل مدفن صحي آمن.

 

رحلة قد لا يراها السائح، لكنها تمثل أحد أهم أسباب الحفاظ على سحر الغردقة، وحماية الشعاب المرجانية، واستمرار البحر الأحمر كواحد من أهم المقاصد السياحية والبيئية في العالم.