سجدة الشيخ الشعراوي
في السابع من يونيو لعام 1967، وبينما كانت مصر تلملم جراح انكسارها المرير، وتغرق شوارعها في صمت النكسة الذهول، كان هناك رجل دين يستقبل هذا النبأ الصادم بطريقة لم يخطر ببال أحد أن يسلكها، حيث خرّ الشيخ محمد متولي الشعراوي ساجداً لله شكراً. هذه السجدة، والكلمات التي قيلت في تفسيرها لاحقاً، لم تكن مجرد تصريح عابر، بل تحولت على مر العقود إلى حقل ألغام فكري، وذريعة متجددة يقتنصها خصومه من الشيوعيين والملحدين للنيل من تاريخه ومن الدعوة الإسلامية برمتها فى شخصه، مروجين لفرص صيد ثمينة تصم الشيخ بالخيانة العظمى والشماتة في مصاب الوطن.
نعم، بالفعل قال الشيخ محمد متولي الشعراوي هذه العبارة الشهيرة، وقد حرص الشيخ في كلامه على توضيح المغزى العميق من وراء هذا التصرف، مؤكداً أن سجوده لم يكن غبطةً في مصاب الوطن أو شماتة في الجيش، وإنما كان بدافع غيرة دينية ، حيث كان يخشى بشدة لو انتصرت مصر وهي في تلك الفترة تحت رداء الفكر الشيوعي والاشتراكي المادي، لافتتن الناس في عقيدتهم وظنوا أن النصر تحقق بفضل تلك الأيديولوجيات وليس بمدد من الله. ورأى الشيخ أن الهزيمة، على مرارتها، كانت بمثابة تنبيه قاسم أيقظ الأمة من غفلتها ودفعها للعودة إلى رحاب الإيمان والاعتماد على هويتها الحقيقية، وهو التحول الذي اعتبره تمهيداً أساسياً رآه يتجلى لاحقاً في انتصار أكتوبر عام 1973.
إن القراءة المنصفة لطبيعة السلوك الإنساني تؤكد أن الخيانة، بطبيعتها وجوهرها، هي عمل يعشق الظلام ويدب في الخفاء، فالخائن أو الشامت الذي يضمر السوء لوطنه يتحين الفرص ويدبر أمره بليل، ويحرص كل الحرص على ارتداء أقنعة الولاية والوطنية علناً ليحمي نفسه ويكسب مكانته، بينما يمارس هدمه في الغرف المغلقة. أما الجهر والمكاشفة، فهما شيمة صاحب العقيدة والاجتهاد الذي يثق تمام الثقة في طهارة مقصده، حتى وإن بدا هذا الاجتهاد غريباً أو صادماً للوهلة الأولى.
لابد هنا من التخلي عن لغة التشنج والصدام، والاعتماد بدلاً من ذلك على التحليل الموضوعي والسياقي للحدث، فالأمر لا يتعلق بالدفاع العاطفي بقدر ما يتعلق بوضع النقاط فوق الحروف وإبراز الفارق بين النقد البنّاء والانتهازية المغرضة.وأن نضع التصرف في سياقه الزمني والعقائدي الكامل، فالشيخ لم يخفِ الكلمة ولم يقلها في الغرف المغلقة، بل صرّح بها علناً وبشكل مسجل مفسراً فلسفته الإيمانية خلفها، حيث كان ينظر إلى المشهد من منظور الفتنة في الدين، وهي زاوية عقائدية ترى أن خسارة الأرض يمكن تعويضها، بينما خسارة العقيدة والارتماء في أحضان المادية والإلحاد هي الخسارة الأبدية، وبالتالي فإن اجتهاده الفكري سواء اتفق معه المرء أو اختلف، كان ينطلق من دافع الغيرة على دين الأمة لا النكاية في الوطن، وتحويل هذا الاجتهاد الإيماني إلى صك خيانة أو شماتة هو اقتطاع متعمد للسياق وتزييف للمقاصد.
ومن جهة أخرى، فإن الرد الحاسم على محاولات التشويه يتجلى في المحاكمة المنطقية للنتائج، فالواقع التاريخي أثبت أن الهزيمة كانت بالفعل نقطة تحول كبرى، حيث تخلت الدولة بعدها عن الغرور الأيديولوجي واستدارت نحو بناء الذات، وارتفعت صيحات "الله أكبر" في العبور العظيم عام 1973، وهو عينه ما كان يرمي إليه الشيخ بأن المحنة حملت في طياتها منحة الاستفاقة والعودة إلى الله، ومحاولة القفز فوق هذا التفسير المتكامل للربط بين السجدة وبين كراهية الوطن هي مغالطة منطقية واضحة تسقط أمام مواقف الشيخ اللاحقة ودعمه المعنوي والروحي المستمر للدولة ومؤسساتها وجيشها.
أخيراً، يمكن الإشارة إلى أن اتخاذ موقف شخصي أو تصريح وحيد كذريعة لإسقاط تاريخ علمي ودعوي يمتد لعقود هو منهج يفتقر إلى الأمانة العلمية ويفضح الرغبة في تصفية الحسابات الفكرية بدلاً من النقد الموضوعي، فالتاريخ الثقافي والديني لأي أمة لا يُقرأ بعين صائدة للفرص، بل يُقاس بمجمل الأثر والإنتاج والتأثير في وجدان الملايين، وهو الأثر الذي يبقى عصياً على المحو بمجرد استغلال عبارة جرى تفسيرها وتوضيح مراميها من صاحبها بكل وضوح وعفوية.
وهناك إضافة بالغة الأهمية وحجة سياسية وتاريخية دامغة تطيح بهذا الادعاء من أساسه، إذ تضع أصحاب هذا الطرح في مأزق منطقي وتاريخي لا فكاك منه. فمن غير المنطقي، بل ومن المستحيل في أعراف رجل الدولة، أن يقوم الرئيس السادات، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة وبطل حرب أكتوبر العظيم الذي استرد الأرض والكرامة، باختيار الشيخ الشعراوي وتعيينه وزيراً للأوقاف وشؤون الأزهر في عام 1976، لو كان هناك أدنى شبهمة أو شك في وطنيته، أو لو كان تصرفه ذاك يحمل ذرة من الخيانة لتراب هذا الوطن وجيشه.فالدولة بمؤسساتها السيادية وأجهزتها الاستخباراتية لا يمكن أن تغفل عن تقييم الولاء الوطني لمن يتولون حقائب وزارية تمس الهوية الروحية والثقافية للأمة في مرحلة دقيقة من تاريخها، واختيار السادات للشيخ الشعراوي تحديداً في ذلك التوقيت يعكس ثقة القيادة السياسية المطلقة في طهارة مسيرته وعمقه الوطني، ورؤيتها له كقيمة مضافة تسهم في معركة البناء الروحي والفطري بعد الحرب. هذا التعيين يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن القيادة الوطنية الحقيقية العاصرة للأحداث كانت تفهم مقاصد الشيخ جيدا وتدرك نقاء سريرته، وتفصل تماماً بين قراءة إيمانية تجريدية لسنن التاريخ وبين الولاء المطلق للوطن، مما يجعل من محاولات بعض العلمانيين المعاصرين لإعادة تفسير تلك السجدة بوصفها خيانة عظمى مجرد مزايدة سياسية فجة، وتصفية حسابات فكرية متأخرة لا تصمد أمام حقائق التاريخ وقرارات رجالاته السياسيين.
وفي الفكر الغربي المعاصر كلمات للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري تختصر هذا المفهوم بعمق، حين قال إن النصر والهزيمة كلمتان لا معنى لهما في ذاتهما، لأن النصر قد يضعف شعباً ما ويصيبه بالترهل، بينما توقظ الهزيمة شعباً آخر وتجبره على استعادة فضيلته وقوته الكامنة. من هنا، يتضح أن رؤية الشيخ الشعراوي لم تكن شاذة عن المنطق التاريخي، بل كانت تعبيراً بليغاً عن حتمية الصدمة لتغيير المسار؛ فالهزيمة التي حطمت غطرسة الشعارات المادية عام 1967 هي ذاتها التي مهدت الأرض لنهضة أكتوبر العظيم، تماماً كما كانت الانكسارات التاريخية الكبرى دائماً بمثابة نقطة البداية لرحلة العبور نحو الانتصارات الحقيقية.
أما في التاريخ الإسلامي، فعقب سقوط بغداد المرير على أيدي المغول عام 1258م ، ورغم الفاجعة العسكرية والمجزرة الإنسانية التي حلت بالحضارة العباسية، إلا أن المفكرين والمؤرخين، ومنهم ابن خلدون لاحقاً في تحليلاته لطبائع العمران، نظروا إلى هذا الانكسار كصدمة ضرورية لتنقية الأمة من الترهل والترف والفساد السياسي الذي استشرى في أواخر العصر العباسي. العجيب في هذا الحدث التاريخي، والذي يتقاطع مع فكرة الشيخ الشعراوي حول بقاء العقيدة، هو أن المغول المنتصرين عسكرياً ومادياً انبهروا بالحضارة الإسلامية ودخلوا في دين المغلوب، فتحول الانكسار العسكري إلى فتح روحي جديد غير مجرى التاريخ، مما أثبت أن سلامة الهوية العقائدية بقيت نابضة وقادرة على استيعاب المنتصر نفسه بعد أن تخلصت من وهن السياسة.
كذلك نجد في التاريخ الآسيوي المعاصر تجربة اليابان بعد استسلامها الكارثي في الحرب العالمية الثانية عام 1945، فالهزيمة الساحقة التي دمرت الآلة العسكرية اليابانية ومحت مدناً كاملة، اعتبرها المفكرون والمصلحون اليابانيون بمثابة نقطة خلاص من الأيديولوجيا العسكرية الفاشية التي كانت تقود الشعب نحو الانتحار الجماعي والاستعلاء العرقي الأعمى. كانت تلك الهزيمة المادية المروعة سبباً في إعادة صياغة الروح اليابانية نحو الإنتاج والتطور التكنولوجي والسلام، والاعتماد على الذات والهوية الثقافية الأصيلة بدلاً من التوسع العسكري، فخرجت اليابان كعملاق اقتصادي وقوة حضارية ألهمت العالم، والأمثلة فى هذا المجال كثيرة ولا تحصى ،مما يؤكد صحة الفلسفة التاريخية التي تقول إن الصدمات الكبرى هي وحدها الكفيلة بإعادة الأمم الحية إلى جادة الصواب وبناء مجدها على أسس متينة.
وختاماً ، فإن قراءة سجدة الشيخ الشعراوي بمعزل عن سياقها الفكري والعقائدي ليست إلا اجتزاءً مخلّاً، وتسطيحاً لموقف نابع من غيرة حقيقية على هوية الأمة وبنيانها الروحي. كانت انحيازاً عميقاً من رجل دين يرى أن الهزيمة العسكرية العابرة يمكن تداركها والنهوض منها، أما ذوبان العقيدة وسقوط البلاد في فخ الأيديولوجيات الماركسية والشيوعية فكان يمثل في نظره انكساراً وجودياً لا قيام بعده.ومن هنا، فإن تلك المحاولات المستمرة لتصيد الأخطاء لرمز بقامة الشيخ الشعراوي، لا تعكس إلا رغبة واهية في تفكيك الرموز وتشويه المواقف الصادقة للنيل من الاسلام نفسه بقراءة عصرية قاصرة ومجردة من ظروفها التاريخية. إن النوايا الكبرى والدوافع الإيمانية لا تُحاكم بنظرات ضيقة تبحث عن الزلل، والتاريخ لا يُقرأ بعيون المتصيدين، بل بالوعي العميق والإنصاف الذي يدرك أن شكر الله في قلب المحنة لم يكن إلا استشعاراً للطف خفيّ صان هوية مصر، وحماها من تيهٍ أيديولوجي كان ليكون أشد فتكاً وأطول أثراً من مرارة الهزيمة العابرة.