بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

في ذكرى الهجرة النبوية..

“شعاعًا سماويًّا يتدلى من سقفه”.. حكايات وأسرار منزل مارية القبطية "المنسي" في المنيا

منزل النور والبركة
منزل النور والبركة للسيدة مارية القبطية

في زاوية من زوايا المنسيّات، يقف اسم حفن بمركز ملوي جنوب محافظة المنيا، والذي يحتضن منزل زوجة رسول الله مارية القبطية، متربعًا على خرائط الغياب، كأن الريح مرت عليه مرور النسيانِ، قرية  صغيرة اليوم، لكنها كانت بالأمس مدينة تضج بالأنبياء والملوك، وتفوح من ترابها رائحة العظمة والقداسة، تاريخها المهمل يئن تحت ركام العقود، وكأنها تصرخ في وجه الحاضر قائلة: "أما آن للذاكرة أن تنصفني؟"

 

قرية حفن حين كانت مدينة للأنبياء والملوك 

 

يروي كبار المؤرخينَ أن حفنا كانت في سالف العصور حاضرة مقدسة، يقال أن النبي إدريسَ عليه السلام عاش فيها، وأن ملوكَ مصرَ الأُوئل مروا من أبوابها، كانت ملتقى القوافلِ، ومركزًا للحِكمة والمعرفة، حتى غدت منارة على ضفاف الوجود، والتي تعرف الآن باسم “ الشيخ عبادة ” غيرَ أن عجلة الزمن لم تنصفها، فغابت عن دفاتر الجغرافيا، وبقيت في ذاكرة التراب فقط.

 

بيت النور وأسطورة مهملة ..

 

في قلب حفن بيت عتيق، يطلق عليه الأهالي بيت النور”.يقولون إن شعاعًا سماويًّا كان يتدلى من سقفه في الليالي المباركة، وأن المكان شهد كرامات لا تحصى، لكن البيت اليوم محاصر بالإهمال، تتسلل إليه الرياح بدل الزائرين، وكأن القداسة غادرتْه في صمت.

 

أصوات من الأرض الطاهرة ..

 

من بينِ تشققات الطين، تسمَع همهمات أهل حفن القدماء، كأنهم ما زالوا يحرسون أسرارَ المكان، تقول سيدة من القرية: "نحن أبناء أرض مقدسة، لكن أحدًا لا يسمعنا" وفي كلماتِها وجع ألف عام من النسيان، ينتظر يدًا تمتد لتزيح الغبار عن ماض يستحق أن يروى.

 

منزل البركة... بين الحكاية والأسطورةِ 

البيت كما يرويه الشيوخ وكبار السن، كان مقصدَ النساء العاقرات، في موقع ملاصق يسمى  الكحروتة، كن يتبركن بالمكان طلبًا للذرية، وما زالت الصورة المعلقة للسيدة مارية في الحجرة، خلفَ بوابة حديدية، تحمل رمزية تخيف الغافلين وتبكي المؤمنين.

 

مفتاح البوابة كما يهمس الأهالي في يد بعثة إيطالية أثرية، تمنع دخول الناس إلا في أوقات محدودة، وكأن هذا الأثر لم يعد ملكا لأهله، بل لملف إداري نائم في درج منسي.

 

مارية القبطية... هدية المقوقس إلى قلب النبوة ..

 

بعد صلح الحديبية، أرسل النبيّ ﷺ كتبه إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، وكان من بين من كتب إليهم المقوقس، حاكم الإسكندرية أعجب المقوقس بخبر النبي، ورد على رسالته  قائلًا: «وجدت نبيا لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه».

 

وأرسل هديته: جاريتين منَ القبط، مارية وسيرين، مع بغلة بيضاء وكسوة نفيسة، وفي طريق العودة إلى المدينة، دعا حاطب بن أبي بلتعة الجاريتين إلى الإسلام، فأسلمتا، فاختار النبيُّ ﷺ مارية لنفسه، وأهدى أختها إلى الشاعرِ حسان بن ثابت رضي اللهُ عنه.

 

أم إبراهيم... الحرة التي أكرمها الله بولد منَ النبي ..

 

كانت مارية بيضاء جميلة الطلعة، شديدة الحياء، أثار قدومها غيرةَ أمهات المؤمنين لجمالها ومكانتها في قلبِ النبي ﷺ، وبعد عام من دخولِها بيت النبوة، حملت مارية، فتهلل وجه النبي فرحًا، فقد فقد أبناءَه جميعًا إلا فاطمة رضي الله عنها.

 

وفي ذي الحجة منَ السنة الثامنة للهجرة، ولد إبراهيم بن محمد ﷺ، فحرر الرسول أمه مارية، وصارت من أمهات المؤمنين، لكن الفرح لم يدم طويلًا، إذ مرض إبراهيم وهو لم يبلغ عامَه الثاني، فمات في حجر أبيه، فبكى النبي حتى بلت دموعه لحيته، وقالَ:

 

«إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

 

نهايةٌ للحكايةِ... وبداية للألم ..

 

عاشتْ السيدة مارية القبطية خمسَ سنوات ، بعد وفاة النبي ﷺ، حتى جاء أجلها في السنة السادسة عشرة للهجرة، صلى عليها عمر بن الخطاب رضي اللهُ عنه، ودفنت في البقيعِ بجوار نساء البيت النبويّ، إلى جانب ولدها إبراهيم.

غير أن بيتها في المنيا ، بيت الذكرى والبركة ما زال يئنّ تحت ركام الإهمال، يطلب يدًا تمتد لترممه، وقلوبًا تستشعر قداسته.

 

وصمة في جبين الذاكرة ..

 

إن إهمال منزل كهذا لا يعد خطأً إداريًا، بل جريمة في حق الوجدان والتاريخ، إنه بيت وطأته أقدام من حملت في رحمها ابن النبيِ ﷺ، وسمعت صوته، ورأت نور النبوة عن قرب، فكيفَ يترك هذا الأثر الطاهر وحيدًا، تنهشه المقابر، وتغطيه الرمال؟

 

أليس من العار أن يزدهر الإهتمام في بلاد بعيدة بآثار لا تمت للدين بصلة، بينما يترك بيت أم إبراهيم، زوجة خير خلق الله، عرضة للضياع؟

 

صرخة إلى الضمير ..

 

يا وزارةَ السياحةِ والآثار، يا من تنفقونَ على الأحجار وتنسون القدر الطاهر، إن كان التاريخ يقاس بما تركَه الملوك، فإن الإيمان يقاس بما نحفظُه من بيوت الأنبياء وأزواجهم، فامنحوا بيت مارية القبطية ما يستحق من عناية، قبل أن يمحى من الوجود كما محي الكثير من آثار أرواحنا.