بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

سلام «مؤقت» .. اتفاق واشنطن- طهران بين هدنة هشة وصراع الروايات

بوابة الوفد الإلكترونية

أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق جديد من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ يوم الجمعة المقبل، فى تطور وصف بأنه أكبر انفراجة دبلوماسية منذ اندلاع الحرب بين البلدين، إلا أن الساعات الأولى التى أعقبت الإعلان كشفت أن الطريق نحو تسوية دائمة لا يزال مليئاً بالعقبات والخلافات فيما يتعلق بتفسير بنود الاتفاق وخطوات تنفيذه. وأكد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن الولايات المتحدة سترفع الحصار البحرى المفروض على الموانئ الإيرانية، كما سيعاد فتح مضيق هرمز بعد توقيع الاتفاق رسمياً. لكن النص الكامل للاتفاق لم يُنشر حتى الآن، ما أبقى كثيراً من التفاصيل الأساسية مجهولة وأفسح المجال أمام تفسيرات متناقضة من واشنطن وطهران.
فيما تتجه الأنظار إلى فرنسا، حيث يشارك الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى قمة مجموعة السبع، التى يتوقع أن تكون الحرب مع إيران والاتفاق الجديد من أبرز ملفاتها. وبعد انتهاء القمة، من المقرر أن تنتقل الوفود إلى جنيف، التى ستستضيف مراسم التوقيع الرسمية يوم الجمعة.
لكن قبل الوصول إلى مرحلة التوقيع، برزت خلافات واضحة حول ما بعد الاتفاق، إذ أعلن نائب وزير الخارجية الإيرانى كاظم غريب آبادى أن أى مفاوضات لاحقة بين طهران وواشنطن لن تبدأ إلا بعد الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة فى الخارج، بينما نفى مسئول أمريكى ذلك بشكل قاطع، مؤكداً أن الاتفاق يقوم على مبدأ الالتزام مقابل الالتزام، وأن الإفراج عن الأموال لن يتم إلا بعد تنفيذ إيران لتعهداتها بالكامل.
كشفت شبكة CNN عن وجود تناقضات بين الرواية الأمريكية والإيرانية بشأن مضمون الاتفاق؛ فبينما قال ترامب إن مضيق هرمز سيعاد فتحه بعد توقيع الاتفاق يوم الجمعة وسيظل مفتوحا، أوضح مسئول أمريكى أن الجيش تلقى أوامر برفع الحصار عن الموانئ الإيرانية فور توقيع المذكرة.
فى المقابل، قدمت إيران رواية مختلفة، مؤكدة أن رفع الحصار سيتم بشكل فورى، وأن مسودة الاتفاق تنص على إعادة فتح مضيق هرمز خلال ثلاثين يوماً وفق ترتيبات إيرانية خاصة.
وفيما يتعلق بالجبهة اللبنانية، أعلن رئيس الوزراء الباكستانى شهباز شريف أن الاتفاق يشمل وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية فى جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وهو ما أكده أيضاً نائب وزير الخارجية الإيرانى كاظم غريب آبادى، بينما لم يشر ترامب إلى لبنان.
أما بشأن الأموال المجمدة، فأكد غريب آبادى أن المرحلة التالية من المفاوضات تعتمد على الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية، فى حين نفت واشنطن ذلك، مؤكدة أن أى أموال لن تفرج إلا بعد التزام إيران الكامل.
وفى مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، قال ترامب إن إسرائيل ستكون من أكبر المستفيدين من الاتفاق، لكنه وصف نتنياهو بأنه «شخص صعب للغاية». وأضاف: «بصراحة يجب أن يكون ممتناً لنا للغاية. لأنه لو امتلكت إيران سلاحاً نووياً لما استمرت إسرائيل ساعتين». وأشار ترامب إلى أن الاتفاق سيضمن أن يكون مضيق هرمز خالياً من الرسوم بشكل دائم.
وكشفت نيويورك تايمز تصريح ترامب بأنه إذا فشلت إيران فى التوصل إلى اتفاق نووى نهائى مع الولايات المتحدة، فإنه سيعود إلى الخيار العسكرى. بل إنه طرح فكرة أكثر إثارة للجدل عندما قال إن الولايات المتحدة يمكن أن تصبح «حامية الشرق الأوسط» مقابل الحصول على خُمس إيرادات المنطقة. كما كرر ترامب قناعته بأن قراره بمهاجمة إيران فى فبراير الماضى وفرض حصار بحرى على موانئها أعاد تشكيل الشرق الأوسط لصالح الولايات المتحدة.
وعلى الصعيد الدولى، توالت ردود الفعل المرحبة بالاتفاق، فقد رحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالإعلان عن اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أنه يمثل خطوة حاسمة نحو تسوية النزاع بالوسائل السلمية؛ بجانب الرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر.
كما كانت رئيسة الوزراء اليابانية سنا تاكايتشى من بين أوائل القادة الذين أشادوا بالاتفاق، معربة عن أملها فى ضمان الملاحة الحرة والآمنة عبر مضيق هرمز والتوصل بأسرع وقت إلى اتفاق نهائى بشأن الملف النووى الإيرانى والقضايا الأخرى العالقة.
ورغم هذه الأجواء الإيجابية، حذر مسئولون وخبراء سابقون من المبالغة فى تقدير ما تحقق. وقال أندرو بيك، نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكى السابق لشئون إيران والعراق، إن كل طرف يحاول تقديم الاتفاق بطريقة تجعله يبدو الطرف المنتصر الأكبر، مع وجود مكاسب ومخاوف لكل جانب.
أما باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية الأمريكية السابقة، فرأت أن المكسب الأساسى هو العودة إلى ما قبل التصعيد، لكنها انتقدت ما وصفته باستخدام إدارة ترامب تعبيرات سياسية توحى بإنجازات قد لا تتحقق فعلياً، خصوصاً فى ملف الأموال الإيرانية المجمدة.
وبحسب تحليل لصحيفة واشنطن بوست، يرى خبراء أن الاتفاق، رغم كونه أفضل من استمرار الحرب، يترك إيران محافظة على قدراتها الصاروخية وشبكاتها الإقليمية، وإن كانت أضعف نسبياً، ما يعنى استمرار التهديدات الإقليمية.وقال برايان كاتوليس إن ترامب اضطر للذهاب إلى اتفاق بسبب غياب الخيارات العسكرية الجيدة، مشيراً إلى أن كلا الطرفين سيعلن النصر فى النهاية، وأن الأسابيع المقبلة ستشهد صراعاً على رواية ما تحقق.
وفى المقابل، أثار الاتفاق جدلاً داخل معسكر ترامب نفسه، حيث تساءل بعض مؤيديه من التيار المتشدد عما إذا كان إنهاء القتال مبكراً يصب فى مصلحة الولايات المتحدة. كما عبر السيناتور ليندسى غراهام عن قلقه من تضارب الروايات بين واشنطن وطهران، مؤكداً أن أى اتفاق مع إيران سيخضع لمراجعة الكونجرس قبل إقراره النهائى.
وقال دان شابيرو إن إيران بارعة فى إدارة المفاوضات وانتزاع التنازلات تدريجياً، محذراً من أن الاتفاق قد يكون أقل من التوقعات الأمريكية، لكنه أشار إلى أن أهم نتائجه هى تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط حقيقية بيد طهران.