عندما ساوت السلطة بين الصحفى وتاجر المخدرات
فى مثل هذه الأيام.. تمر علينا ذكرى تمرير أسوأ قانون شاهدته مصر على مدار التاريخ.. قانون يعتبر وصمة عار فى جبين كل من وافق على تمريره داخل البرلمان منذ 30 عاماً وكل من دافع عنه من المسئولين وللأسف حفنة من أساتذة القانون الذين ذهبوا إلى طى النسيان.. وهنا أقصد قانون اغتيال حرية الصحافة كما «أسميته» هذا القانون الذى مر بليل فى برلمان كان يتحكم فيه لوبى فساد يكره الحرية حتى يمارس فساده بكل حرية، لوبى كان يخطط لإغلاق مصر عليهم فهم يعلمون أن الفساد ينمو فى ظل صحافة مقيدة يتحكمون فيها مهما تحدثوا وقالوا إنهم يكافحون الفساد.
وفى مثل هذه الأيام وبعد عام واحد أسقطت وحدة الصحفيين القانون المشبوه.. وشهدت مصر على مدار عام كامل من يونيو 1995 إلى يونيو 1996 أكبر حشد شعبى دفاعاً عن حرية الصحافة.. وقاد حزب الوفد بقيادة زعيمه التاريخى فؤاد سراج الدين أحزاب المعارضة المصرية لدعم جهود نقابة الصحفيين بقيادة النقيب الجليل الكاتب الصحفى إبراهيم نافع ومجلس النقابة الذى اصطف على اختلاف انتماءاتهم السياسية والأيدلوجية صفاً واحداً وقاد الجمعية العمومية للنقابة على مدار عام كامل حتى تم إسقاط القانون.
وكنت من المحظوظين الذين غطوا هذه الأحداث وكنت قريباً من صنع القرار داخل النقابة بحكم التغطية وبحكم عضويتى فى الجمعية العمومية ولكونى عضواً فى لجنة الاتصال الخارجى، ولا ننسى فى هذه الأيام الدور الذى لعبته منظمات المجتمع المدنى من نقابات مهنية ومنظمات حقوقية محلية ودولية فى التضامن والضغط على نظام مبارك حتى تراجع عن القانون وصدر القانون 96 لسنه 1996 الذى رغم عيوبه كان أفضل كثيراً من القانون المشبوه 95 لسنة 1995.
فى هذه الأيام كان شارع عبدالخالق ثروت ومقر النقابة خلية نحل على مدار الساعة.. 11 اجتماعاً للجمعية العمومية على مدار عام اكتملت من أول دعوة لها وهو حدث يحدث للمرة الأولى فى تاريخ النقابة، وكان الزملاء فى الصحف القومية المملوكة للدولة فى صدر المشهد وتجمعوا جميعاً لم يتخاذل أحد منهم إلا قيادات الصحف وقتها الذين حاول بعضهم الدفاع عن القانون المشبوه إلا أنهم مع غضبة الصحفيين تراجعوا عن موقفهم وانضم بعضهم إلى موقف الجمعية العمومية الا اثنان فقط.
أتذكر وزيراً فى الحكومة عندما سألته المذيعة فى التليفزيون لماذا لم تعرضوا القانون على الصحفيين قبل تمريره فى البرلمان؟ فكان رده و«هل عندما نضع قانون لمكافحة المخدرات نعرضه على تجار المخدرات» هذا الوزير عبَّر عن الرأى السائد داخل أروقة الحكم أن الصحفيين أشبه بتجار المخدرات، وخرج هذا الوزير من الوزارة مع إسقاط القانون المشبوه وذهب هو إلى مزبلة التاريخ.. لا يتذكره أحد الآن؟
أيام كنا وأقصد هنا جموع الصحفيين نتواجد بمقر النقابة طوال اليوم نستقبل المتضامنين والمؤيدين لمطالبنا بالانتصار لحرية الصحافة والإعلام والحرية بوجه عام.. وكانت الاجتماعات على مدار اليوم.. أيام عرف الشعب المصرى وقتها قيمة الصحافة الحرة التى تدافع عنهم وعن قضاياهم فلم يخذلونا بل ساندونا رغم محاولات الحكومة وأجهزتها تفتيت هذه الوحدة والتلاحم.
فى هذا العام لعب المرحوم جلال عيسى، وكيل النقابة والأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة، دوراً مهماً عندما أمد لجنة إعداد القانون التى كان يقودها المرحوم رجائى الميرغنى ومعه كتيبة من كبار الصحفيين ورجال القانون الذين كنا نتعلم منهم عندما نحضر اجتماعاتهم كيف يتم صياغة المواد القانونية المقارنة بين القوانين، وأتذكر أنني حصلت على حقيبة بها عشرات الدراسات والكتب عن حرية الصحافة والتشريعات الصحفية وكانت من أهم المراجع التى اعتمدنا عليها فى صياغة المشروع البديل الذى تقدمت به النقابة
هذه المعركة القانونية والسياسية والتفاوضية ستظل فى تاريخ نقابة الصحفيين المصرية وفى أروقة المنظمات الصحفية الدولية يتم دراستها والاستفادة من دروسها وأهم درس هو أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع ولكن بوحدة وقوة المؤمنين بالحرية فى مواجهة أعدائها وهم فى المقام الأول لوبيات الفساد فى أروقة الحكم.
ستظل ذكرى إسقاط قانون اغتيال حرية الصحافة نقطة بيضاء فى تاريخ مصر على مدار السنوات الخمسين الأخيرة.. ذكرى نجاح مجموعة مهنية بدعم شعبى واسع من إسقاط قانون لو تم العمل به يوماً واحداً لكان أغلب الصحفيين فى السجون حتى الآن.