بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

قصة التقويم الهجري.. كيف اختار الصحابة الهجرة النبوية بدايةً للتأريخ؟

الهجرة النبوية
الهجرة النبوية

 التقويم الهجري أحد أهم الإنجازات الحضارية التي أسهمت في تنظيم حياة المسلمين عبر العصور، إذ ارتبط بأعظم حدث في التاريخ الإسلامي وهو الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. 

 

 وكشفت دار الإفتاء المصرية تفاصيل قصة اختيار الصحابة لهذا التقويم، موضحة كيف استقر رأيهم على جعل الهجرة النبوية بدايةً لتأريخ المسلمين بعد مشاورات واسعة بين كبار الصحابة في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

 وأكدت دار الإفتاء أن التقويم الهجري لم يُوضع في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما جاء تنظيمه في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه عندما دعت الحاجة إلى وضع تاريخ ثابت يضبط المعاملات والرسائل الرسمية بين الولايات الإسلامية المختلفة.

كيف كان العرب يؤرخون للأحداث قبل الإسلام؟

 ارتبطت عادة التأريخ عند العرب بالأحداث الكبرى التي تترك أثرًا في الذاكرة الجماعية للأمة، وتشير المصادر التاريخية إلى أن العرب مروا بمراحل متعددة في حساب السنوات، فكانوا ينسبونها إلى أحداث عظيمة شهدتها الجزيرة العربية.

 فقد أرخ العرب قديمًا ببناء الكعبة المشرفة، ثم اتخذوا من وفاة كعب بن لؤي، الجد السابع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، علامة زمنية يؤرخون بها سنواتهم. وبعد ذلك أصبح "عام الفيل" مرجعًا رئيسيًا للتأريخ، وهو العام الذي حاول فيه أبرهة الأشرم هدم الكعبة المشرفة، فحفظ الله بيته الحرام، وفيه وُلد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 واستمر العمل بالتأريخ بعام الفيل سنوات طويلة، حتى جاءت الهجرة النبوية التي مثلت نقطة تحول فارقة في تاريخ المسلمين.

تسمية السنوات بعد الهجرة بأحداثها البارزة:

 أوضحت المصادر التاريخية أن المسلمين في السنوات الأولى بعد الهجرة لم يعتمدوا تقويمًا ثابتًا، وإنما كانوا يطلقون على كل سنة اسم الحدث الأبرز الذي وقع فيها.

 فسُميت السنة الأولى بعد الهجرة بعام "الأذان"، نظرًا لبدء العمل بالأذان فيها، بينما سميت السنة الثانية بعام "الأمر" لارتباطها بالإذن بالجهاد ووقوع غزوات كبرى مثل بدر وأحد.

 أما السنة الثالثة فسميت بعام "التمحيص"، في إشارة إلى قول الله تعالى: "وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين"، وجاءت السنة الرابعة تحت اسم "التَّرفئة" بمعنى الإصلاح وجمع الشمل.

 كما أُطلق على السنة الخامسة اسم "الزلزال" بسبب الشدة التي تعرض لها المسلمون خلال غزوة الخندق، بينما عُرفت السنة السادسة بعام "الاستئناس" نسبة إلى الآية الكريمة الخاصة بآداب الاستئذان.

 وسُميت السنة السابعة بعام "الاستغلالب" بعد فتح خيبر، والثامنة بعام "الاستواء" لوقوع فتح مكة فيها، أما السنة التاسعة فسُميت بعام "البراءة" لنزول سورة براءة، في حين عُرفت السنة العاشرة بعام "الوداع" لوقوع حجة الوداع وانتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى.

لماذا قرر عمر بن الخطاب إنشاء التقويم الهجري؟

 تروي دار الإفتاء المصرية ما ذكره الإمام الطبري في تاريخه، أن سبب إنشاء التقويم الهجري يعود إلى رسالة وصلت إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تحمل تاريخ شهر شعبان دون تحديد السنة، الأمر الذي أثار إشكالية في تحديد المقصود من التاريخ المكتوب.

 وجاء في الرواية أن عمر رضي الله عنه قال: "أي شعبان؟"، ثم جمع كبار الصحابة وقال لهم: "ضعوا للناس شيئًا يعرفونه"، في إشارة إلى ضرورة وضع نظام زمني واضح يزيل اللبس ويحقق الدقة في المعاملات والمكاتبات الرسمية.

 ومن هنا بدأت المشاورات بين الصحابة الكرام لاختيار حدث تاريخي يكون أساسًا لتأريخ الأمة الإسلامية.

الهجرة النبوية تتفوق على جميع المقترحات:

 خلال المشاورات طُرحت عدة اقتراحات، فبعض الصحابة رأى أن يبدأ التأريخ من ميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بينما اقترح آخرون أن تكون بداية التاريخ من البعثة النبوية ونزول الوحي.

 لكن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أشار إلى أن تكون الهجرة النبوية هي الحدث الذي يبدأ منه تأريخ المسلمين، باعتبارها اللحظة التي انتقل فيها الإسلام من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع.

 ولاقى هذا الرأي قبولًا واسعًا بين الصحابة حتى استقر الإجماع عليه، ليصبح التقويم الهجري المعتمد رسميًا للمسلمين منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.

لماذا اختير شهر المحرم بدايةً للعام الهجري؟

 على الرغم من أن الهجرة النبوية وقعت فعليًا في شهر ربيع الأول، فإن الصحابة اختاروا شهر المحرم ليكون أول شهور السنة الهجرية.

 ويرجع ذلك إلى سببين رئيسيين؛ أولهما أن المحرم جاء مباشرة بعد بيعة العقبة التي مهدت للهجرة وأُذن بعدها للمسلمين بالانتقال إلى المدينة المنورة، فكان أول شهر ظهر بعد هذا الإذن المبارك.

 أما السبب الثاني فهو أن شهر المحرم كان يمثل بداية الدورة الزمنية المعروفة لدى العرب قبل الإسلام، ولذلك رأى الصحابة أن الإبقاء عليه أولًا للسنة يحقق الاستقرار والتنظيم.