السكنى في خيام البراءة!!
ولم أكُ أدرك أنني أسكن خيام البراءة أو السذاجة أثناء طفولتي السكندرية خاصة علاقتي بالأستاذ "محمود" الذي تسلّم راية تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية لفصلي في الصف الرابع الابتدائي بمدرسة "السيدة عائشة" القريبة من الجمرك ؛ إذ أنجزت الأستاذة "سعاد" تدريس كل المواد لفصلي في الصفوف الثلاثة،ولا يمكنك أن تهوِّن من ارتباط الصغار بأول استقبلهم في المدرسة وعلّم وشجّع ، ولم نفهم وقتها أن تدريس مواد الصف الرابع ومابعده يحتاج إلى ذوي التخصصات لا إلي مدرسي فصول شأن الصفوف السابقة، كان الاستاذ "محمود" تميل بشرته إلى السمرة وجسمه إلى الرشاقة ولا يرتدي سوى البذلة الكاملة وكان وجهه شديد الشبه بالممثل "عماد حمدي"-اكتشفتُ ذلك لاحقاً بعدما تيسَّر لي ولغيري مشاهدة التلفاز- وفي أول حصةٍ أراد أن يكتشف مستوى الفصل في قطعة إملاء مفاجئة تبدأ بتلك الشعارات السائدة فترة الستينيات هكذا" باسم الأمة.. باسم الشعب.. باسم كذا وكذا لأدافعنَّ عن وطني بكل غالٍ ونفيس... كانت قطعة الإملاء على هذا المنوال، وكان من الطبيعي أن هذا الصبي الذي يرتاد كتاب الشيخ"محمد الديب"في مسجد الحاج "إبراهيم بركات" طيلة العام يحمل لوْحَه وإصبع الطبشور الجيري ليكتب ما حفظ من سور قرآنية مرات عديدة يخط ويمحو دونما زهقٍ ...أقول كان من الطبيعي للصبي أن يكتب باسم الشعب هكذا "بسم الشعب.."مثلما يراها في المصحف بعدما غادر مرحلة اللوح وكانت الطامة عند الأستاذ "محمود"ولعل الأستاذة"سعاد"حدثتْه عن طلابها المجيدين سألني :أنت بتغلط في الإملاء؟!!! فاعترضتُ بسذاجة فأردف: وكمان بترد؟!! وكانت صفعة لم أنسها ولعله شعر بتأنيب الضمير فاجتهد كثيرا بعد ذلك في الاحتفاء بي وامتداح إجادتي في الإذاعة المدرسية طيلة العام؛ لكن المثير للضحك كلما تذكرت كيف أخبرني دونما يبتسم أن العصفورة أخبرتْه أنني لعبتُ بالأمس في الشارع... فلقد ظللت لا أستطيع التجاوب ورغبات الأقران في اللعب أمام المنزل كلما بدا في الجو عصفور يرفرف أو يحط على أسلاك الكهرباء
(قُم لِلمُعَلِّمِ...وَفِّه التَبجيلا/كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا)(أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي/ يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا)(سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَيرمُعَلِّمٍ/ عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى)(أَخرَجتَ هَذا العَقلَ مِن ظُلُماتِه/ وَهَدَيتَهُ النورَ المُبينَ سَبيلا)(أَرسَلتَ بِالتَوراةِ موسى مُرشِداً / وَاِبنَ البَتولِ فَعَلَّمَ الإِنجيلا)( وَفَجَرتَ يَنبوعَ البَيانِ مُحَمَّداً / فَسَقى الحَديثَ وَناوَلَ التَنزيلا)
ورغم ما يتوالى في هذه الأيام من أحداث وتصرفات سواء من بعض أفراد المجتمع أو من بعض من ينتمون إلى أشرف المهن وأعظمها أثراً إلا أننا لم نزل نحمل تبجيلاً في نفوسنا لكثيرٍ من هؤلاء الذين أفنوا زهرة شبابهم لإخراج عقولنا من الظلمات ، ولعل من براعة أمير الشعراء أحمد شوقي حينما استخدم ألفاظ البناء والتشييد في بيان أثر المعلم كما استلهم مفتتح سورة العلق[اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)] مستعرضا تاريخ الديانات الكبرى وارتباطها بالعلم بكافة صوره الديني والدنيوي مما كان له بالغ الأثر في تاريخ الحضارات الإنسانية ... أجل ... إن أمير الشعراء لم يبالغ حينما ارتفع بمهنة المعلم إلى مستوى يقارب مهنة الأنبياء والرسل..فقد قال صلى الله عليه وسلم:
(إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً (مُشِقّاً ومُعَسِّراً)، ولكن بعثني معلِّماً ميسِّراً).
أجل...لم نزل نحمل تبجيلا لكل من أنار لنا طرق تحصيل العلم رغم ما قد يشوب تصرفات البعض منهم من الشطط في اللوم أو التوبيخ لا القسوة المؤدية إلى الإصابة بعاهات مستديمة تظل جرحا غائرا نفسياً قبلما تكون جسدياً...لكن المصيبة الكبرى في تدنِّي نظرة الكثيرين إلى تلك المهنة وبعض منتسبيها ، وقد تناسوا أن نهضات الدول حديثاً نتجت عن الارتفاع بقدر المهنة ومنتسبيها مع الأخذ في الاعتبار اتصاف منتسبيها أخلاقيا وسلوكيا بما ينأى بهم عن كل مسبَّةٍ أو شبهة!!
إن الكثير من الأعمال الفنية سواء كانت أفلاما أو مسرحيات قدمت نموذج المعلم في صورة مزرية ملبسا وسلوكاً بقصد الإضحاك والسخرية وما أدرك المجتمع ساعتها فداحة تأثير ذلك على الأبناء في فقدانهم القدوة الحسنة التي تأخذ بأيديهم لأتذكر تلك الحادثة التي رواها المؤرخون :
(كان الكسائي يؤدب الأمين والمأمون ابني هارون الرشيد، فأراد يوما النهوض من عندهما، فابتدرا إلى نعليه ليقدماهما له، فتنازعا أيهما يفعل، ثم اصطلحا على أن يقدًِم كل منهما واحدة.
فلما رُفِع الخبر إلى الرشيد، وجّه إلى الكسائي، فلما مَثُل بين يديه قال: من أعز الناس؟ قال: لا أعلم أعزَّ من أمير المؤمنين، قال: بلى، إن أعز الناس من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليّا عهد المسلمين، حتى يرضى كل منهما أن يقدم له واحدة، فأخذ الكسائي يعتذر حاسبا أنه أخطأ.
فقال الرشيد: لو منعتَهما لأوجعتُك لوما وعتبا، ولألزمتك ذنبا. فما وضع ما فعلا من شرفهما، بل رفع من قدرهما، وبيَّن عن جوهرهما، ولقد تبينت مَخِيلة الفراسة بفعلهما، فليس يكبر المرء وإن كان كبيرا، عن ثلاث: تواضعه لسلطانه، ولوالديه، ولمعلمه)