قراءة في فيزياء التاريخ العكسية واشنطن تدفع الثمن
كان الهدف من غضب ترامب الملحمي على إيران هو الإطاحة بالنظام الإيراني خلال أسبوع واحد، على أقصى تقدير، منذ اندلاع الحرب. لكن المفارقة الصادمة أن ما انتهى إليه الأمر بعد صفقة ترامب مع إيران هو نظام إيراني أكثر قوة، وأكثر نفوذًا إقليميًا ودوليًا.
قبل الحرب: كانت الولايات المتحدة تتدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية.
الآن: تعهدت واشنطن بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية.
قبل الحرب: كانت إيران محاصرة بجبال من العقوبات التي أدت إلى انهيار عملتها.
الآن: الإفراج الفوري عن أصول إيرانية بقيمة 24 مليار دولار.
قبل الحرب: لم تدفع الولايات المتحدة دولارًا واحدًا لإيران.
الآن: تدفع واشنطن 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران.
قبل الحرب: كانت العقوبات تخنق النفط الإيراني.
الآن: تعليق العقوبات المتعلقة بالنفط ومنح إيران حرية الوصول إلى الأسواق.
قبل الحرب: وجود عسكري أمريكي كثيف وقواعد أمريكية تحيط بإيران.
الآن: انسحاب عسكري أمريكي من محيط إيران.
قبل الحرب: كانت واشنطن تقول إن إيران لن تطور أسلحة نووية.
الآن: النتيجة المعلنة هي نفسها؛ إيران لن تطور أسلحة نووية.
قبل الحرب: كانت السفن تعبر مضيق هرمز دون رسوم.
الآن: النتيجة ذاتها؛ السفن لا تزال تعبر مضيق هرمز دون رسوم.
قبل الحرب: كانت إسرائيل والولايات المتحدة تشنان حروبًا في المنطقة متى شاءتا.
الآن: وقف دائم لإطلاق النار يشمل لبنان.
قبل الحرب مع إيران: كان رئيس وزراء إسرائيل يتباهى بعلاقاته ونفوذه داخل الولايات المتحدة، ويقدم نفسه باعتباره «شرطي الخليج».
بعد الحرب: تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة والكيان، بينما برزت إيران بوصفها الرجل القوي الجديد في الخليج، إلى الحد الذي تدفع فيه الإمارات العربية المتحدة مقابل الأمن.
وفي المقابل، وجدت إسرائيل نفسها أكثر عزلة، بعد أن احترقت عمليًا صفقة اتفاقيات أبراهام.
الخلاصة السياسية القاسية: إذا كان الهدف المعلن للحرب هو إضعاف إيران وعزلها وإسقاط نظامها، فإن حصيلة ما بعد الحرب تبدو وكأنها نقلت إيران من خانة الدولة المحاصرة إلى خانة الدولة التي خرجت أكثر قوة ونفوذًا، بينما خرج حلفاء واشنطن أقل قدرة على فرض معادلاتهم السابقة في المنطقة.
فهذه الصفقة أشبه بقيام أمريكا بدفع ثمن باهظ جراء مغامرتها الطائشة.
فقد نجحت طهران بصمودها علي مدار 40 يوم من الحرب
في كسر أسطورة القوة العظمى الأمريكية
"وسيكون لذلك أثر بالغ في إعادة تشكيل النظام العالمي، إذ تبدو الصين، في هذا المشهد، وكأنها المستفيد الاستراتيجي الأكبر؛ فقد اقتربت معادلة القوة الدولية من التحول من دون أن تضطر بكين إلى إطلاق رصاصة واحدة.
أما المشهد الأبرز، فتمثل في السعي الحثيث لإدارة ترامب للحصول على توقيع طهران على مذكرة التفاهم
امس الأحد وهو السعي الذي قوبل ببرود إيراني متعمد، يعكس رغبة طهران في استنزاف الوقت وتحسين شروط التفاوض.
والرسالة الإيرانية غاية في الوضوح
إدارة ترامب عاجزة تمامًا، وواشنطن تحت رحمة المفاوضين الإيرانيين تماما كما حدث مع الرئيس الأمريكي كارتر
فبينما كان الرمل يذرو في صحراء طبس الإيرانية بقايا المروحيات الأمريكية المحطمة في عملية 'مخلب النسر الفاشلة،عام 1980 لتحرير الرهائن الامريكان
وقع جيمي كارتر بعد فشل العملية تحت رحمة المفاوض الإيراني. واليوم، يعيد التاريخ نفسه في مفارقة ساخرة؛ حيث يقف ترامب عند الحافة ذاتها، مستجدياً توقيعاً ينقذ ماء وجه إدارته قبل خريف التجديد النصفي للكونجرس.
فطهران لم تخض حربًا عسكرية فحسب، ضد أمريكا بل أدارت مباراة شطرنج جيوسياسية أعادت ترتيب الرقعة الدولية.
، فالحرب التي أُريد لها أن تُسقط طهران انتهت إلى تكريسها لاعبًا لا يمكن تجاوزُه، بينما اضطرت واشنطن إلى التفاوض من موقع أقل قدرة على فرض شروطها السابقة
والربع ساعة الأخيرة من المفاوضات شاهدة علي ذلك حتي عدم الرد الايراني علي إسرائيل بعد قصفها لبنان كان مقابل تنازلات أمريكية وتعهد من ترامب
بأن إسرائيل ستتوقف عن قصف لبنان وستسحب وحداتها العسكرية من جنوب لبنان فور توقيع الاتفاق ومذكرة التفاهم
بين واشنطن وطهران
فالعبث في فيزياء التاريخ يؤدي دائماً إلى نتائج عكسية؛ فالحرب التي شُنت لكسر 'محور المقاومة' وعزل إيران، انتهت بمنحها مفاتيح ترتيبات الأمن الإقليمي وأسقطت واشنطن نفسها في فخ ثوسيديدس، ذلك الفخ الذي حذر منه الرئيس الصيني شي جين بينغ .. الرئيس الأمريكي ترامب
خلال زيارته الأخيرة إلى بكين ورغم ذلك التحذير وقع ترامب في فخ الثعالب