بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

العنف ضد المرأة الريفية.. ‬ﺩﺭﺍﺳﺔ ﺇﺛﻨﻮﺟﺮﺍﻓﻴﺔ تكشف أسباب التجاوزات وتداعياتها على المجتمع المصري

الدكتور محمد الماظ
الدكتور محمد الماظ - أستاذ أصول التربية

تعتبر ظاهرة العنف ضد المرأة في الريف المصري من أبرز الظواهر المجتمعية التي فرضت نفسها بقوة على النقاش العام، حيث تشير إلى أزمة عميقة تواجهها المرأة في المجتمعات الريفية،  ومع تفاقم حالات العنف المستمرة، أصبح الموضوع محور اهتمام واسع في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ليعكس حجم المعاناة التي تتعرض لها المرأة نتيجة الأعراف والتقاليد المتوارثة.

والعنف ضد المرأة  ليس مجرد قضية فردية، بل هي ظاهرة مدمرة تؤدي إلى إضعاف النسيج المجتمعي بأكمله. وهناك جملة من التداعيات والتكاليف الاقتصادية والجسدية والنفسية والاجتماعية الناجمة عن ممارسة العنف ضد المرأة في مصر بأشكاله المختلفة، لا سيما العنف الزوجي.  

العنف الزوجي ضد المرأة الريفية

وفي دراسة إثنوجرافية  أجرها  الكاتب  في إحدى القرى بمحافظة البحيرة، سلط الضوء  فيها على العنف الزوجي ضد المرأة الريفية، واعتمد  الكاتب على المنهج الإثنوجرافي الذي يتيح للباحث معايشة الظاهرة عن قرب لفهم أبعادها المعقدة وشبكة العلاقات المؤثرة فيها، واستخدم الكاتب المقابلات العميقة مع عدد من النساء المعنفات، مما أتاح له التعرف على الأسباب التي تجعل الزوج يمارس العنف، وأنواع ومظاهر العنف المتعددة، وكيفية تقبل النساء لهذا العنف، بالإضافة إلى الجهات التي يلجأن إليها عند التعرض للاعتداء، وأبرز الحلول المقترحة لمواجهة هذه الظاهرة.

وأظهرت نتائج الدراسة أن هناك اتفاقًا بين المشاركات من النساء المعنفات في تعرضهن للكثير من مظاهر وأشكال مختلفة من العنف من قبل أزواجهن، تلك الأشكال قد اتخذت مظاهر متنوعة ترواحت بين العنف الجسدي والعنف المعنوي، والعنف الاقتصادي، والعنف الجنسي، وأن تأثير هذه الأشكال يمتد إلى حياتهن اليومية بشكل كبير.

كما أظهرت نتائج الدراسة الإثنوجرافية على أن سبب قبول النساء للعنف يرجع غالبًا إلى الخوف من الطلاق ومصير الأولاد، وعدم القدرة على الاستقلال المادي والاقتصادي ، وأحيانًا تميل المرأة المعنفة  للإنكار بوجود عنف واقع عليها أو على أبنائها، وهذا نابع من القيم والتقاليد  والعادات الاجتماعية والثقافية المحيطة بها، وهو ما يعكس مدى تأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية  والثقافية على استمرار هذه الظاهرة.  

 كما أشارت نتائج  الدراسة الإثنوجرافية  كذلك إلى أن غالبية النساء لا يلجأن إلى مراكز الإرشاد أو مؤسسات المجتمع المدني المتخصصة بمناهضة العنف ضد المرأة، وفي هذا إشارة واضحة إلى غياب دور المنظمات العاملة في قضايا المرأة تجاه مساعدة النساء المعنفات. كما أكدت الدراسة الإثنوجرافية على تنوع رؤىة النساء المعنفات للمقترحات اللازمة لمواجهة العنف ضد المرأة، والتي جاءت وفقًا لدرجة أهميتها من وجهة نظرهن.   

وتبذل الدولة المصرية جهودًا واسعة لمواجهة العنف ضد المرأة ، ومن أبرز تلك الجهود صياغة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة العنف ضد المرأة 2015 – 2020، وتبني العديد من الاستراتيجيات الوطنية لمواجهة العنف ضد المرأة, ومن بينها الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030 التي اعتمدها رئيس الجمهورية في عام 2017 «عام المرأة المصرية», وأقرها كخارطةِ طريقٍ للحكومةِ المصريةِ، وتحتوي على 34 مؤشرًا، وأربعة أعمدة؛ هي التمكين السياسي والاقتصادي، والاجتماعي، والحماية، والتشريعات والثقافة كركائز متقاطعة, بالإضافة إلى الاستراتيجية الوطنية لمكافحة ختان الإناث، والاستراتيجية الوطنية للصحة الإنجابية, والاستراتيجية الوطنية لمكافحة الزواج المبكر. 

التعليم والتنشئة الأسرية يمثلان حجر الأساس في مكافحة هذه الظاهرة

إن التعليم والتنشئة الأسرية يمثلان حجر الأساس في مكافحة هذه الظاهرة، حيث يمكن من خلال برامج تربوية وتعليمية تثقيف النساء والرجال حول حقوق المرأة، وطرق التعامل مع النزاعات والخلافات الأسرية دون عنف، وتعزيز مهارات المرأة الريفية في الاعتماد على نفسها اقتصاديًا واجتماعيًا. كما  أن العمل المتكامل بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني هو السبيل الأمثل للحد من العنف، وأن التغيير يحتاج إلى إرادة مجتمعية حقيقية لضمان حماية النساء وتهيئة بيئة صحية  سلمية تضمن استقرار الأسرة والمجتمع على حد سواء.

ونؤكد في النهاية على أن مواجهة العنف ضد المرأة مسؤولية مجتمعية تتطلب تعاون جميع المؤسسات، بما يشمل الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والمؤسسات الدينية والثقافية والسياسية، لضمان تقديم الدعم المتكامل للنساء المعنفات وتمكينهن من العيش بكرامة واستقلالية،  لذا فإن  معالجة العنف ضد المرأة تتطلب رؤية شاملة وتعاونًا متكاملًا بين جميع القطاعات، مع ضرورة تمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر عدالة واستقرارًا، ويكفل للمرأة العيش بكرامة وأمان بعيدًا عن كل أشكال العنف والتمييز.

بقلم الدكتور محمد السيد فرج  الماظ - أستاذ أصول التربية المساعد بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة