بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

ما كتبه محمود محيي الدين ورفاقه

لماذا فشلنا اقتصاديا بينما نجحت اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتركيا؟ يبدو السؤال مكررا مُنذ استقلال مصر عن الاحتلال وتعاقب حكومات أنظمة وعدت بالرخاء، وتعهد بالاصلاح، وعملت وكافحت من أجل صناعة التقدم، لكنها لم تُدركه.

التفسيرات متنوعة، وأحدها انتهيت من قراءته قبل ساعات، وهو «دليل أكسفورد للاقتصاد المصري The OXFORD HANDBOOK OF THE Egyptian Economy»، الذي أصدرته جامعة أكسفورد باللغة الإنجليزية وأشرف عليه ثلاثة من كبار الاقتصاديين هم د.محمود محيي الدين، الاقتصادي العالمي ومبعوث الأمم المتحدة للتنمية، ومعه باحثان مخضرمان هما مارسيلو جيو جيل، ورشا رمضان.

الدليل يقع في 88 صفحة واستغرق اعداده خمس سنوات، وتضمن 43 فصلاـ شارك فيها 69 باحثا، وهو أجرأ بحث كاشف لحال الاقتصاد المصري منذ الخمسينيات، إذ يفسر لنا لُغز فشل مصر اقتصاديا رغم امتلاكها ثروة بشرية عظيمة، وطبيعة جيوسياسية واعدة.

يذكر الدليل بوضوح شديد أنه رغم حسن النوايا التي صاحبت مشاركات الدولة المصرية في الاقتصاد بوصفها واضعة قواعد أو مالكة أصول فقد كانت المشاركة في المجمل عامل إعاقة لأي تقدم محتمل. ويوضح أن مشاركات الدولة بعد ثورة يوليو 1952، وإلى يومنا هذا دفعت الاقتصاد الكلي إلى دورات متعاقبة من الازدهار والانكماش، لكنها كبحت الاستثمار الخاص وجعلت خلق وظائف حقيقية من قبل القطاع الخاص أمرا بالغ الصعوبة.

«كذلك أدى العجز المالي المتكرر إلى موجات تضخم وأعباء خانقة من الدين العام ما جعل مدفوعات فوائد الديون تستحوذ على أكثر من نصف الانفاق العام. ولم ينجح البنك المركزي في الحفاظ على معدل الأسعار وظل يشرف على نظام مصرفي يوجه معظم أمواله ومدخرات المصريين نحو الحكومة».

 كما أن محاولات السيطرة على سعر الصرف أدت إلى هروب رؤوس الأموال، وخفض كبير لقيمة العملة المصرية وأزمة مديونيات واسعة، وبرامج انقاذ متعددة من صندوق النقد وصل عددها إلى 12 برنامجا منذ سنة 1962.

ويضيف الدليل «لم يؤدِّ تدخل الدولة غير المجدي إلى تشويه الاقتصاد الكلي فحسب، بل أفضى أيضا إلى اختلالات في الأسواق، فهناك شبكة تضم أكثر من 300 شركة مملوكة للدولة وهيئة حكومية تعمل في مختلف القطاععات من البنية التحتية والتصنيع إلى الخدمات، وتتمتع بمزايا غير ممنوحة للقطاع الخاص، وهو ما يدفع رجال الأعمال إلى أنشطة هامشية أو إلى القطاع غير الرسمي، وهو أمر يصعب معه تحقيق النمو».

وكانت النتيجة النهائية لمحاولات الاصلاح أن نمو الانتاجية الكلية منذ ثورة يوليو، ما زال سلبيا، وتفاقمت الأزمة بعد أكثر من نصف قرن من الثورة، إذ صار من الصعب توفير وظائف حقيقية للخريجين، وهو ما انتهى بالأجيال الجديدة إلى المفاضلة بين الهجرة إلى الخارج أو العمل في أنشطة منخفضة القيمة المضافة. كذلك فقد كانت إحدى النتائج الواضحة للجميع هي اتساع الفقر واستمرار ضعف جودة التعليم، وانخفاض نسبة توظيف النساء.

الخبر السار في دليل أكسفورد هو اقراره أن مشكلات مصر ليست مستعصية اقتصاديا، وأن هناك مسارات متاحة لإنقاذ الاصلاح، لكننا لم نسر فيها بعد. وأبرز إشارة في هذا الصدد تتمثل في تأكيد الدليل على ضرورة حصر تدخل الدولة في الاقتصاد واخضاعه لمعايير الشفافية والمساءلة، فلا بد أن تكون جميع الكيانات التابعة للدولة مدرجة ضمن الموازنة العامة وأن تنشر حسابات مالية مدققة، مع تطبيق سياسة حرية تداول معلومات.

والله أعلم

 

[email protected]