بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

مشهد عبثى !!

في بعض الأحيان تكون الأرقام أكثر قسوة من أي خطاب سياسي أو اقتصادي. وحين يكشف البنك الدولي أن الكهرباء والفساد والقطاع غير الرسمي أصبحت من أكبر العقبات التي تواجه شركات القطاع الخاص في مصر، فإننا لا نكون أمام مجرد تقرير اقتصادي، بل أمام مشهد عبثي بكل المقاييس.

فكيف يمكن لدولة أنفقت مئات المليارات على تطوير قطاع الكهرباء أن تجد شركاتها تشكو من الكهرباء؟ وكيف يمكن لدولة تعلن الحرب على الفساد منذ سنوات أن يظل الفساد بين أكبر معوقات الاستثمار؟ وكيف يستمر الاقتصاد غير الرسمي في منافسة الاقتصاد الرسمي رغم عشرات المبادرات والقرارات الهادفة إلى دمجه؟

هذه الأسئلة لا تبحث عن متهم بقدر ما تبحث عن تفسير لما جرى، وعن مراجعة ضرورية لمسار اقتصادي تكشف الأرقام اليوم بعض نتائجه بوضوح.

عندما يكشف البنك الدولي أن الكهرباء والفساد والقطاع غير الرسمي أصبحت أكبر العقبات أمام شركات القطاع الخاص في مصر، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: ما هي المشكلة؟ بل: كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟

فالاقتصاد لا يمرض فجأة، ولا تتعثر بيئة الأعمال بين ليلة وضحاها، وإنما تكون النتيجة حصادًا لسنوات من السياسات والقرارات التي تراكمت آثارها حتى ظهرت بوضوح في أرقام لا تجامل أحدًا.

كيف يمكن أن تصبح الكهرباء، التي أنفقت عليها الدولة مئات المليارات خلال السنوات الماضية، أكبر عقبة أمام 16.2% من الشركات؟ وكيف تتحول انقطاعات الكهرباء إلى أزمة متكررة تؤثر على أكثر من ثلث الشركات المصرية؟ هذا السؤال لا يوجه إلى قطاع الكهرباء وحده، بل إلى فلسفة إدارة الموارد الاقتصادية بأكملها.

لقد ركزت الدولة لسنوات على بناء مشروعات ضخمة وبنية تحتية هائلة، وهي أمور لا يمكن إنكار أهميتها، لكن في المقابل بدا أن الاهتمام بقدرة المواطن والشركات على الإنتاج وتحمل التكلفة لم يحصل على القدر نفسه من الاهتمام. فالمصنع لا يحتاج فقط إلى طريق ممهد، بل يحتاج إلى طاقة مستقرة، وتمويل ميسر، وسوق قادر على الشراء.

أما الفساد، الذي اعتبرته نحو 15% من الشركات عقبة رئيسية، فهو ليس مجرد مخالفات فردية هنا أو هناك، بل مؤشر على وجود تعقيدات إدارية وإجرائية تفتح الباب أمام الممارسات غير السليمة. فكلما زادت البيروقراطية وتعقدت الإجراءات، زادت فرص الفساد، والعكس صحيح.

ثم تأتي المعضلة الأكبر: الاقتصاد غير الرسمي. فبعد عقود من الحديث عن دمج الاقتصاد الموازي، ما زالت أكثر من 40% من الشركات تشكو من منافسة منشآت تعمل خارج المنظومة الرسمية. والسؤال هنا: هل المشكلة في أصحاب هذه المشروعات أم في السياسات التي جعلت كثيرين يفضلون البقاء خارج المنظومة بدلًا من الانضمام إليها؟

الأرقام تكشف كذلك أزمة أعمق. فالشركات توظف مزيدًا من العمال، لكن مبيعاتها الحقيقية تتراجع بأكثر من 11%. وهذا يعني أن السوق يعاني ضعفًا في القوة الشرائية، وأن المواطن الذي يفترض أن يكون محرك الاقتصاد الأول أصبح أكثر حذرًا في الإنفاق بسبب الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار.

كما أن اعتماد 88% من الشركات على مواردها الذاتية في تمويل استثماراتها يكشف خللًا واضحًا في أولويات السياسة النقدية خلال السنوات الماضية. فعندما تصبح أسعار الفائدة مرتفعة إلى مستويات تجعل الاقتراض شبه مستحيل لكثير من الشركات، فإن النتيجة الطبيعية هي تراجع الاستثمار والإنتاج والتوسع.

ولعل أكثر الأرقام إيلامًا أن أقل من 8% من الشركات توفر تدريبًا رسميًا للعاملين. فكيف نتحدث عن اقتصاد تنافسي واقتصاد معرفي بينما الاستثمار في العنصر البشري ما زال بهذا المستوى المحدود؟ لقد انشغلنا كثيرًا ببناء الحجر، بينما ظل الإنسان في أحيان كثيرة خارج دائرة الأولويات.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن جزءًا من هذه التحديات يرتبط أيضًا بظروف عالمية صعبة شهدتها السنوات الأخيرة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية واضطرابات التجارة الدولية. غير أن الدول الناجحة هي التي تستغل الأزمات لتصحيح المسار، لا لتأجيل الإصلاح.

إن الرسالة التي تحملها هذه الأرقام ليست الهجوم على أحد، ولا البحث عن متهم، بل الدعوة إلى مراجعة جادة للسياسات الاقتصادية. فنجاح أي دولة لا يقاس بعدد المشروعات التي أُنشئت فقط، وإنما بقدرتها على خلق بيئة يشعر فيها المستثمر بالأمان، ويشعر فيها المنتج بالقدرة على المنافسة، ويشعر فيها المواطن بأن ثمرة النمو تصل إلى حياته اليومية.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يشغل الجميع: إذا كانت الكهرباء والفساد والاقتصاد غير الرسمي وضعف التمويل هي أبرز المشكلات اليوم، فهل نمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة السياسات التي أوصلتنا إليها، أم سنكتفي مرة أخرى بقراءة الأرقام ثم ننتظر تقريرًا جديدًا بعد سنوات ليخبرنا بما نعرفه بالفعل؟

فالأوطان لا تتقدم بالشعارات وحدها، ولا بالأرقام المعلنة فقط، وإنما بالقدرة على الاعتراف بالمشكلات ومعالجتها. والمواطن المصري، الذي تحمل كثيرًا وما زال يتحمل، لا ينتظر معجزات، بل ينتظر اقتصادًا يمنحه فرصة حقيقية للعمل والإنتاج والحياة الكريمة. فحين يكون المواطن قادرًا على العيش بكرامة، وتكون الشركات قادرة على الإنتاج والمنافسة، عندها فقط يمكن القول إن السياسات نجحت، وإن المشهد لم يعد عبثيًا.