بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الشرقاوي: الاقتصاد الأسود يستنزف موارد الدول ويقوض فرص التنمية والاستثمار

الدكتور يسري الشرقاوي
الدكتور يسري الشرقاوي

أكد الدكتور يسري الشرقاوي، مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادية ورئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، أن ما يُعرف بـ"الاقتصاد الأسود" بات يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الاقتصادات الوطنية، لما يترتب عليه من آثار سلبية واسعة تمتد إلى معدلات النمو والاستثمار والتشغيل والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

 

وأوضح الشرقاوي، خلال حديثه للوفد، أن الاقتصاد الأسود لا يقتصر على الأنشطة غير الرسمية فحسب، بل يشمل مجموعة من الممارسات والأنشطة غير المشروعة، مثل تجارة المخدرات، والاتجار بالبشر، وغسيل الأموال، والفساد، والاتجار غير المشروع في الآثار، وتجارة العملة في السوق السوداء، فضلًا عن أنشطة البلطجة واستعراض القوة والجريمة المنظمة التي تؤثر بشكل مباشر على مناخ الأعمال والاستثمار.

 

وأشار إلى أن التقارير الدولية الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تُقدّر حجم الجريمة المنظمة العابرة للحدود بنحو 870 مليار دولار سنويًا، وهو ما يعادل نحو 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن حجم هذه الأنشطة قد يصل إلى تريليونات الدولارات سنويًا.

 

وأضاف أن تجارة المخدرات وحدها تُعد من أكبر مكونات الاقتصاد الأسود عالميًا، حيث تتراوح قيمتها بين 320 و750 مليار دولار سنويًا، في حين تُقدّر عمليات غسيل الأموال بنحو 1.6 تريليون دولار، إلى جانب الخسائر الضخمة الناتجة عن الاتجار بالبشر والآثار والموارد الطبيعية النادرة.

 

تأثيرات مباشرة على الاقتصاد المصري

 

وأوضح الشرقاوي أن الاقتصاد الأسود في مصر يرتبط بدرجة كبيرة بالاقتصاد غير الرسمي، الذي تشير بعض التقديرات إلى أنه يمثل ما بين 50% و65% من حجم الاقتصاد الكلي، وهو ما ينعكس على مستويات الإيرادات العامة للدولة وكفاءة الأسواق وقدرتها على جذب الاستثمارات.

ولفت إلى أن انتشار الأنشطة غير المشروعة يؤدي إلى انخفاض الحصيلة الضريبية، وحرمان الدولة من موارد مالية كان يمكن توجيهها إلى قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، كما يساهم في زيادة معدلات التضخم نتيجة التشوهات التي تصيب الأسواق والتدفقات المالية غير الرسمية.

وأضاف أن الاقتصاد الأسود يخلق فرص عمل غير مستقرة وغير منتجة، الأمر الذي يحد من فرص النمو الحقيقي ويؤثر على جودة الوظائف المتاحة، كما يرفع من تكلفة ممارسة الأعمال بالنسبة للقطاع الرسمي، الذي يلتزم بالقوانين والضرائب واللوائح التنظيمية.

وأشار رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة إلى أن حجم اقتصاد الظل في العديد من الدول المتقدمة، مثل ألمانيا والنمسا، يتراوح بين 6% و15% من الناتج المحلي الإجمالي فقط، نتيجة ارتفاع مستويات الشفافية وتطبيق القانون بفاعلية.

 

كما أوضح أن بعض دول الخليج، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، نجحت في خفض حجم الاقتصاد غير الرسمي إلى مستويات تُعد من الأدنى عالميًا، تتراوح بين 5% و8% من الناتج المحلي الإجمالي، بفضل الإصلاحات الاقتصادية والتنظيمية المتواصلة، وتوسيع نطاق الرقمنة والخدمات الحكومية الذكية.

 

وأكد أن ارتفاع حجم الاقتصاد الأسود في بعض الدول النامية يؤدي إلى زيادة المخاطر الاستثمارية، ويؤثر على قدرة تلك الدول على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بسبب ارتفاع تكاليف الأمن والحماية وتراجع مستويات الثقة في بيئة الأعمال.

خارطة طريق للمواجهة

 

وشدد الشرقاوي على أن مواجهة الاقتصاد الأسود تتطلب استراتيجية متكاملة لا تقتصر على الحلول الأمنية، وإنما تشمل أبعادًا اقتصادية وتشريعية ومجتمعية، مقترحًا مجموعة من الإجراءات العملية، في مقدمتها تحديث التشريعات الخاصة بمكافحة غسيل الأموال والفساد والاتجار غير المشروع في الآثار والعملات والموارد النادرة.

 

الشرقاوي يدعو إلى تشريعات أكثر صرامة وإدماج القطاع غير الرسمي 

 

كما دعا إلى إطلاق برامج شاملة لدمج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي من خلال تقديم حوافز ضريبية وتسهيلات تمويلية وتدريبية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يسهم في تقليص حجم الاقتصاد الأسود بصورة تدريجية خلال السنوات المقبلة.

 

وأكد أهمية تعزيز التعاون الدولي والإقليمي لمكافحة الجريمة المنظمة والتهريب عبر الحدود، والاستفادة من أدوات التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في مراقبة التدفقات المالية المشبوهة وكشف عمليات غسيل الأموال والأنشطة غير القانونية.

 

واختتم الشرقاوي بالتأكيد على أن مكافحة الاقتصاد الأسود تمثل استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الاقتصاد الوطني، مشيرًا إلى أن نجاح الدولة في تقليص حجم هذه الأنشطة سيعزز مناخ الاستثمار، ويرفع مستويات الشفافية، ويدعم النمو الاقتصادي المستدام، بما يرسخ مكانة مصر كمركز اقتصادي واستثماري إقليمي قادر على جذب رؤوس الأموال وتحقيق التنمية الشاملة.