الذهب بين مطرقة الفائدة وسندان الحرب
تعرف يا صديقي أن ليس كل ما يلمع ذهبا أظنك سمعت هذه الحكمة ذات يوم ولكن ما لم تسمعه عن الذهب هو أن لا تتبع بريقه حتى لا يذهب عقلك فالذهب يزداد بريقه عندما يرتفع سعره لتنطلق حوله الأساطير والحكايات عن أسباب ارتفاعاته وصولاته أليس هو الحامي من التضخم والواعد بالثراء والملاذ الآمن في الحروب نفس الذهب إذا ما خبا عنه ذلك البريق أصبح الأصل الخطير الغير منصوح بالاقتراب منه وسبب الخسائر بريق ثم خفوت ثم بريق ثم خفوت وهكذا
ثم إن هناك مفارقة هذه الأيام تشتعل الحروب وتتصدع الأسواق الحرب تصاعدت والذهب انخفض التوترات اشتعلت والذهب تراجع ثم حين بدأت التهدئة ارتفع على أثر
تصريحات ترامب هذا ليس سلوكاً عشوائياً فهناك من يجيد بعثرة أوراق اللعبة حتى لا تعرف أنت ما السبب وما النتيجة في هذا الحراك المحموم الأوراق ليست مبعثرة كما يدعي المنفعلون المشهد واضح لمن يقرأه بهدوء وله قواعده
اولا : مطرقة الفائدة الذهب يسبق السلع هبوطا في بدايات دورة رفع الفائدة هذه ليست نظرية بل سلوك موثق تاريخياً يتبعه البترول ثم باقي السلع في تسلسل منطقي يعكس تباطؤ النمو المرتبط بالتشديد النقدي رفع الفائدة في أوروبا بات واقعاً وقد يتبعه رفع مماثل في أمريكا مما يعني سحب السيولة من الأصول المضاربية وعودتها إلى السندات الحكومية ويفسر انخفاض السندات طويلة الأجل التي تضغط على الاسواق السيناريو المهيمن اليوم هو سيناريو التباطؤ المرتبط بالتشديد النقدي وفيه الذهب لا يصعد بسهولة مهما اشتعلت العناوين بل يقود الهبوط ويسبقه
حين يرتفع الذهب مع التهدئة وينخفض مع التصعيد فهذا يعني أن السوق لا يرى في الحرب خطرا ائتمانياً حقيقيا بل يراها حدثا جيوسياسيا يرفع التضخم ويعقد قرارات الفائدة وهذا التمييز جوهري
ثانيا : سندان الحرب الربط بين تصريح سياسي وحركة الذهب اليومية هو ربط انفعالي لا تحليلي تصنعه الميديا السوق كان مؤهلاً للارتداد أصلا خاصة حين تتزايد التقارير التشاؤمية وتصنع الذرائع في كل اتجاه الارتدادة ليست تغيير اتجاه وهذا الفارق يخسر فيه كثيرون أموالهم كل يوم التحول للصعود يحتاج إشارات عديدة أهمها لم يظهر بعد وحين يظهر لن يكون في الصحف بل في حركة السوق نفسه قبل أن يدركها أحد تذا ما هي وظيفة الذهب السؤال الذي يتهرب منه الجميع هل فشل الذهب في وظيفته كملاذ امن
انخفاضه مع الحرب في ظل المخاوف التضخمية يقلل جداً من احتمالية صعوده مع هدوء التوترات ورفع الفائدة الذهب اليوم عالق في مثلث ضغط من ثلاثة اتجاهات التضخم يضعف الطلب الاستثماري عليه والفائدة ترفع تكلفة الاحتفاظ به والحرب لم تثبت أنها تحرك ملاذا امنا حقيقيا في هذه الدورة
ثالثا : البنوك المركزية الحقيقة والسردية هناك فارق جوهري يغفله كثيرون شراء البنوك المركزية للذهب الفيزيائي هو قرار استراتيجي بعيد المدى تنويع للاحتياطيات وتحوط هيكلي لا علاقة له بسعر اليوم أو الغد أما سوق العقود الورقية على الذهب فهو عالم اخر تماما تخيل أن هناك سمكة واحدة في البحيرة لكن الصيادين يتداولون الاف صكوك ملكيتها يومياً دون أن يرى أحدهم السمكة أو يمسها هذا هو سوق الذهب الورقي عقود تتقافز بين المضاربين تمثل أضعاف أضعاف ما هو موجود فعلاً من المعدن ونادراً ما ينتهي أي منها بتسليم حقيقي فكرة ندرة الذهب التي يبنى عليها منطق الارتفاع الأبدي هي فكرة تنتمي للمعدن لكن السعر الذي تراه على شاشتك لا يصنعه المعدن بل تصنعه الورقة وهذه الورقة تتأثر بالفائدة والدولار والمزاج المؤسسي اليومي لا بكميات الذهب المدفونة في خزائن البنوك المركزية هذا لا يعني أن شراء البنوك المركزية بلا أثر بل يعني أن أثره يعمل بزمن مختلف تماماً عن زمن السوق الورقي اليومي البنك المركزي يشتري لعشر سنوات والمضارب يبيع لثلاثة أشهر حين تستدل بسوق المعدن على سوق الورقة فأنت تجيب على السؤال الصحيح في الزمن الخطا
رابعا : البترول والداو المراه الحقيقية إذا أردت مؤشراً يؤكد أو ينفي السيناريو فلا تنظر إلى الذهب انظر إلى البترول وسوق الأسهم البترول هو مقياس الطلب الحقيقي على النمو وهو لم يستمر في الارتفاع مع استمرار الحرب وإذا لم يرتد البترول وواصل هبوطه فالسيناريو يتأكد نحن في دورة تباطؤ حقيقية لا مجرد تصحيح تقني الداو من جهته يتراقص فوق نقطة اختراقه كغولدياكين المحموم لا يقرر الصعود ولا يُقر بالهبوط وهذا التردد في حد ذاته إشارة أسهم التكنولوجيا تصنع فقاعتها بزخم متراجع لا يستطيع صنع قمم جديدة وهذا هو الذي سيغير المشهد حين ينكسر
الذهب ضعيف بترول متراجع داو متردد هذه ليست صدفة هذا أصل ترتيب الدورات الاقتصادية في نهايتها أضف لها ارتفاع الفائدة
خامسا : نقد التحليل الانفعالي ما يحدث في كثير من التحليلات المتداولة اليوم هو بعثرة متعمدة للأوراق خلط السبب بالنتيجة وربط الأحداث بالأسعار بطريقة انتقائية تخدم استنتاجا مسبقا المنفعل يرى في كل تصريح دليلاً على نظريته وفي كل حركة سعر تأكيداً لما يريد الحقيقة أن السوق يتحرك على شكل موجات وكل موجة تجد لنفسها راوياً يربطها بحدث لكن الراوي يأتي بعد الحدث دائماً وهذا هو الفارق بين من يقرأ السوق ومن يسوق له
سادسا : البوصلة ما الذي تتابعه في خضم هذا الضجيج خمسة خيوط فقط تستحق متابعتك
أولا : قوة الدولار هو اصل تقييم الاسواق بعيدا عن سردية تبدّل الاحتياطي العالمي
ثانيا : البترول إذا ارتد صعودا تاجل السيناريو وإذا واصل هبوطه تأكد
ثالثا : الداو وأسهم التكنولوجيا متى ينكسر الزخم تتضح الصورة كاملة
رابعا : قرارات الفائدة في أمريكا وأوروبا لأن التشديد المتزامن هو المحرك الهيكلي لكل ما سبق
خامسا : تقرير COT فهو يكشف ما تفعله الأموال الكبيرة فعلا قبل أن تعلنه الذهب بين مطرقة الفائدة وسندان الحرب لن يحرره أحد لا سردية البنوك المركزية ولا صخب التصريحات سيحرره فقط تغيير حقيقي في أحد هذه الخيوط الخمسة ابق قريباً من البيانات ولا تنفعل مع تقلبات الاخبار في الإعلام