بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الراوى

متقلب الود لا يؤتمن

«ليس كل مَنْ اقترب صار منك، وليس كل مَنْ أظهر الود كان أهلًا له…»

فى إحدى محطات العمر، يكتشف الإنسان حقيقة مؤلمة لا تُعلّمُها الكتب، ولا تشرحها النصائح، بل تفرضها التجارب فرضًا؛ وهى أن الود ليس كلمات جميلة، أو ابتسامات متبادلة، أو حضورًا مؤقتًا فى لحظات الرخاء؛ إنما الود الحقيقى موقف، والثبات عليه خلق، أما من يتقلب وده بتقلب الظروف، فلا يؤتمن قلبه قبل أن يؤتمن فعله.

اعتاد الناس أن يقيسوا العلاقات بما يسمعونه، بينما تكشف الأيام ما لا تقوله الألسنة؛ فكم من شخص أغدق عليك عبارات المحبة حتى ظننت أنه أقرب الناس إليك، ثم جاءت أول مصلحة، أو أول خلاف، أو أول اختبار حقيقى، فإذا بذلك الود يتبخر كأنه لم يكن يومًا. عندها يدرك المرء أن بعض المشاعر لم تكن جذورًا ضاربة فى الأرض، بل أوراقًا جافة تميل بها الرياح وتنعطف حيث شاءت.

ومتقلب الود لا يتغير بسببك دائمًا، بل لأن طبعه قائم على التبدل؛ فهو يمنح قربه حين توافق هواه، ويمنع مودته حين لا يجد ما يريد. يقترب إذا احتاج، ويبتعد إذا استغنى، ويبتسم إذا انتفع، ويعبس إذا تعارضت مصالحه مع مصالح غيره. لذلك لا يكون ميزانه الوفاء، وإنما المنفعة، ولا يكون دافعه المحبة، وإنما الحسابات الخفية التى لا يراها الناس.

ولعل أخطر ما فى هذا النوع من البشر أنه لا يعلن حقيقته منذ البداية، فلو فعل ذلك لهان الأمر، لكنه غالبًا يرتدى ثوب المخلصين، ويتحدث بلسان الناصحين، ويظهر فى صورة الأوفياء، حتى إذا اطمأن إليه مَن حوله، ظهرت حقيقته عند أول منعطف، أو فى مجرد موقف مزاح اعدتما عليه سويا. لذلك كان القدماء يقولون: إن الرجال تُعرف عند الشدائد، لأن الرخاء يسمح للجميع بارتداء الأقنعة، أما الأزمات فتسقط ما عجز الزمن عن كشفه.

ولا يعنى ذلك أن الإنسان ينبغى أن يعيش مرتابًا من الجميع، أو أن يغلق أبواب قلبه خوفًا من الخذلان؛ فالحياة لا تستقيم بلا ثقة، لكن الحكمة تقتضى أن تُمنح الثقة على قدر ما يثبت الناس استحقاقهم لها؛ فكما أن المال لا يوضع فى يد مجهول، فإن المشاعر كذلك لا ينبغى أن تُسلَّم كاملة لمن لم تثبت الأيام صدقه وثباته.

ومن أجمل ما يتعلمه المرء مع النضج أن قيمة الإنسان ليست فى عدد من يحيطون به، بل فى نوعية من يبقون معه عندما تتغير الظروف. فالثابتون قليلون، لكنهم أثمن من كثيرين يتبدلون كلما تبدلت الأحوال. أولئك الذين لا تغيرهم المصالح، ولا تفرقهم الخلافات العابرة، ولا تدفعهم الرياح إلى الاتجاه الذى يحقق لهم المكسب الأسرع.

وحين تكتشف متقلب الود، فلا تكثر العتاب؛ فالعتاب يجدى مع الأوفياء، أما من كان التقلب جزءًا من طبيعته فلن تغيره الكلمات. يكفى أن تضعه فى المكان الذى يستحقه داخل حياتك، فلا تمنحه من الثقة أكثر مما يحتمل، ولا تنتظر منه ما لم يثبت قدرته عليه؛ فبعض الناس لا يعالجهم اللوم، وإنما تكشفهم المسافة.

وفى نهاية المطاف، لا تؤلمنا خسارة متقلب الود بقدر ما تؤلمنا الصورة التى رسمناها له فى خيالنا. نحن لا نحزن لأن شخصًا رحل فحسب؛ بل لأننا اكتشفنا أن الشخص الذى أحببناه لم يكن كما ظنناه. لكن عزاء الإنسان أن الحقائق مهما تأخرت تظهر، وأن معرفة الناس على حقيقتهم مكسب، وإن جاء متأخرًا.

فاحفظ ودك لمن يحفظه، وامنح قلبك لمن يثبت عليه، وتذكر دائمًا أن الذى يتقلب وده مع تغير الأحوال، سيتقلب يومًا معك كما تقلب مع غيرك. ولذلك قيل قديمًا: إن الود إذا لم يسنده الوفاء، كان مجرد كلام جميل فى انتظار أول اختبار ليسقط!

أستاذ الإعلام بكلية الآداب–جامعة المنصورة.

[email protected]