الملابس والأضاحى والخضراوات والفاكهة للفرجة فقط
أسواق بلا مشترين فى العيد
الركود كلمة السر.. و الدروس الخصوصية والمراجعات تلتهم الميزانية
مواطنون يرفعون «الراية البيضاء» أمام الأسعار
بين أصوات الباعة الخافتة التى لم تعد تغطيها ضوضاء الزحام، وواجهات المحال التجارية التى اكتست بألوان العيد دون أن تنجح فى اجتذاب المشترين، يقف الشارع المصرى هذا العام أمام واحد من أكثر مواسم عيد الأضحى قسوة وارتباكًا منذ سنوات طويلة. فالعيد الذى اعتاد أن يحمل معه طقوس البهجة الجماعية، من شراء الأضاحى والملابس الجديدة وحتى التجهيز للزيارات والعزائم العائلية، بدا هذه المرة مثقلاً بهموم اقتصادية متراكمة أطفأت كثيرًا من ملامح الفرحة، وحولت الأسواق إلى مساحات للمشاهدة أكثر منها أماكن للبيع والشراء.
فى جولة داخل عدد من الأسواق الشعبية والتجارية، بدت الصورة مختلفة تمامًا عن المواسم السابقة؛ فلا أصوات المزايدات المعتادة داخل شوادر المواشى، ولا التدافع أمام محال الملابس، ولا حتى مشاهد شراء السلع الغذائية بالكميات الكبيرة استعدادًا لأيام العيد.
الجميع يتحرك بحسابات دقيقة ومتوترة، وكأن كل جنيه أصبح يخضع لمعركة بقاء يومية. فموجات الغلاء المتلاحقة، وارتفاع أسعار اللحوم والملابس والسلع الأساسية، تزامنت هذا العام مع موسم امتحانات نهاية العام الدراسى، لتضع الأسرة المصرية تحت ضغط مزدوج لم يعد يسمح بأى مساحة للرفاهية أو الإنفاق غير الضرورى.
ولأن امتحانات الفصل الدراسى الثانى جاءت متزامنة مع أيام العيد، فقد وجدت آلاف الأسر نفسها مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها بشكل قاسٍ؛ إذ تحولت ميزانيات شراء الأضاحى وكسوة العيد إلى مصروفات للدروس الخصوصية والمراجعات النهائية والمذكرات التعليمية ورسوم الامتحانات، فى مشهد يعكس حجم التحول الذى فرضته الأزمة الاقتصادية على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
كثير من الأسر لم تعد تفكر فى شراء عجل أو خروف، بل أصبحت تعتبر القدرة على توفير احتياجات الأبناء التعليمية نوعًا من النجاة المؤقتة وسط موجة غلاء تلتهم الدخول بشكل غير مسبوق.
وفى الوقت الذى تراجعت فيه القدرة الشرائية بصورة لافتة، بدا واضحًا أن الأسواق دخلت موسمًا استثنائيًا من الركود؛ فالتجار يشكون من ضعف الإقبال، والمواطنون يتجولون ساعات طويلة بين المحال دون قدرة حقيقية على الشراء، بينما أصبحت عبارات مثل “نتفرج بس” و“الأسعار نار” الأكثر تكرارًا على ألسنة المتسوقين. حتى الطقوس البسيطة المرتبطة بالعيد، كشراء الحلوى أو تجهيز الولائم العائلية، أصبحت تخضع لحسابات مرهقة، بعدما تجاوزت الأسعار قدرة كثير من الأسر المتوسطة ومحدودة الدخل.
هذا المشهد لم يكن مجرد حالة اقتصادية عابرة، بل عكس تغيرًا واضحًا فى سلوك المواطنين وأنماط استهلاكهم؛ فثقافة الشراء والتخزين بكميات كبيرة اختفت تقريبًا، وحل محلها شراء الضروريات فقط وبأقل الكميات الممكنة، فى محاولة للتكيف مع واقع اقتصادى ضاغط لا يمنح المواطنين رفاهية الاختيار، بينما تحاول الأسر الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر العيد أمام الأبناء
صرخات مكتومة
فى الممرات الضيقة للأسواق، لم تكن علامات الضيق تقتصر على وجوه التجار فحسب، بل امتدت إلى المواطنين الذين حملت كلماتهم قدرًا كبيرًا من القلق والحسرة، بعدما أصبح العيد بالنسبة لكثيرين موسمًا إضافيًا للضغوط المالية بدلاً من كونه مناسبة للفرحة والتجمعات العائلية.
الأضحية تتحول إلى “حلم مؤجل”
يقف الأستاذ عبد العزيز محمود، محاسب بالمعاش، أمام أحد شوادر المواشى متأملًا أسعار الخراف والعجول التى سمعها من التاجر، قبل أن يقول بحسرة واضحة:
“طوال السنوات الماضية كنا نتشارك أنا وإخوتى فى شراء عجل للأضحية، وكان الأمر بالنسبة لنا عادة ثابتة مرتبطة بفرحة العيد ولمّة العائلة. هذا العام فوجئنا بأسعار تفوق قدرتنا تمامًا؛ فثمن العجل تضاعف بشكل مبالغ فيه، وأصبح الاشتراك نفسه عبئًا لا يمكن تحمله. اضطررنا لإلغاء الفكرة تمامًا، والاكتفاء بشراء كمية بسيطة من اللحم لتوزيع جزء منها على المحتاجين وإدخال الحد الأدنى من البهجة على أولادنا”.
ويضيف: “الأزمة ليست فى الأضحية فقط، لكن فى كل شيء حولنا؛ فأسعار الطعام والكهرباء والدروس والملابس أصبحت تستنزف الدخل بالكامل، حتى المعاش لم يعد يكفى منتصف الشهر”.
“كسوة العيد” هى الضحية
أمام أحد محال ملابس الأطفال، كانت السيدة إيمان، موظفة وأم لثلاثة أبناء، تتنقل بعينيها بين الأسعار المعلقة على الملابس دون أن تشترى شيئًا، قبل أن تقول بصوت متأثر: “كل سنة كنت أحرص على شراء ملابس جديدة لأولادى مهما كانت الظروف، لأن فرحة العيد بالنسبة للأطفال مرتبطة بالطقم الجديد والخروج والتنزه. لكن هذا العام الوضع مختلف تمامًا؛ فنحن فى موسم امتحانات، وكل الأموال ذهبت للدروس الخصوصية والمراجعات النهائية والكتب الخارجية. حتى المواصلات اليومية للدروس أصبحت عبئًا”.
وتابعت: “ابنى الصغير ظل يسألنى عن ملابس العيد، لكنى حاولت إقناعه بتأجيل الأمر لما بعد الامتحانات. شعرت بالعجز وأنا أرى نظرة الحزن فى عينيه، لكن ماذا نفعل؟ التعليم أصبح معركة مكلفة جدًا”.
الشراء “بالقطعة” بدلًا من “التخزين”
وفى سوق السلع الغذائية، يقول خالد صبرى، سائق تاكسى، وهو يحمل كيسًا صغيرًا يحتوى على كميات محدودة من الأرز والرقاق:
“فى السنوات الماضية كنا نشترى احتياجات العيد دفعة واحدة؛ شيكارة أرز وكرتونة زيت وكميات لحوم تكفى أيام الإجازة. أما الآن فأصبحنا نشترى باليوم، لأن الراتب يختفى سريعًا والأسعار لا تتوقف عن الزيادة”.
ويضيف: “حتى تجهيز الفتة أصبح مكلفًا بشكل غير طبيعى، وكل بيت يحاول تقليل الكميات قدر الإمكان. الناس لم تعد تفكر فى العزومات أو الولائم، بل فى كيفية عبور الشهر بأقل الخسائر”.
“الفاكهة رفاهية”
وعلى مقربة من أحد باعة الخضراوات، يقف سعيد عبد الله، عامل بناء، ممسكًا ببضعة أكياس صغيرة، ويقول: “الأسعار أصبحت مرعبة وتتغير يوميًا، حتى الخضار الذى كان فى متناول الجميع لم نعد نستطيع شراءه بالكميات المعتادة. جئت اليوم لشراء نصف كيلو من كل صنف فقط حتى يكفى يومين أو ثلاثة”.
ويضيف بحزن: “الفاكهة أصبحت رفاهية حقيقية، فأحيانًا سعر كيلو الفاكهة يساوى يومية العمل كاملة. الأولاد يشتهون أشياء كثيرة لكن الظروف لا تسمح، والغلاء سرق من الناس فرحة العيد”.
أمهات يهربن من الأسواق خوفًا من طلبات الأطفال
داخل أحد المراكز التجارية، قالت السيدة منى على، ربة منزل، إنها أصبحت تتجنب اصطحاب أطفالها للأسواق حتى لا تشعر بالعجز أمام الأسعار، موضحة: “كل شيء غالٍ بشكل يفوق الخيال، والطفل بطبيعته يرى الألعاب والملابس والحلوى ويريد مثل باقى الأطفال. لذلك أفضل النزول وحدى حتى لا أضع نفسى فى موقف محرج أمامهم”. وأضافت: “العيد زمان كان موسم فرحة حقيقية، أما الآن فأصبح موسم قلق وتوتر بسبب المصاريف المتراكمة”.
“العيد للفرجة فقط”
أما الشاب أحمد ربيع، موظف بإحدى الشركات الخاصة، فقال إن أغلب المواطنين أصبحوا يذهبون للأسواق بهدف “الفرجة” فقط، موضحًا: “الناس تشاهد الأسعار ثم تغادر دون شراء، لأن الدخول لم تعد تتناسب مع حجم الغلاء. حتى الشباب الذين كانوا يخرجون للتنزه وشراء الهدايا أو الملابس الجديدة أصبحوا يؤجلون كل شيء”.
وأضاف: “أصبحنا نحسب تكلفة أى خطوة بدقة، من المواصلات وحتى الخروجات البسيطة، لأن أى مصروف إضافى قد يربك ميزانية الشهر بالكامل”.
أصحاب المعاشات الأكثر تضررًا
ومن بين الفئات الأكثر تأثرًا بالأزمة أصحاب المعاشات، وعنهم تحدثت الحاجة فاطمة السيد، أرملة وصاحبة معاش، قائلة: “المعاش بالكاد يكفى الدواء وفواتير البيت، فكيف يمكن شراء ملابس أو لحوم أو تجهيزات عيد؟ حتى زيارة الأقارب أصبحت صعبة بسبب تكلفة المواصلات والهدايا”.
وأضافت: “أكثر ما يؤلمنى أننى لم أعد أستطيع إسعاد أحفادى كما كنت أفعل كل عيد”.
تجار: الأسواق تعيش “أضعف مواسمها”
ولم تتوقف الشكوى عند المواطنين فقط، بل امتدت إلى التجار الذين أكدوا أن الموسم الحالى يُعد الأضعف منذ سنوات. يقول أحد تجار الملابس: “الناس تدخل المحل وتسأل عن الأسعار ثم تخرج فورًا. حركة البيع ضعيفة جدًا مقارنة بأى موسم عيد سابق، رغم أننا قدمنا تخفيضات كبيرة لمحاولة جذب الزبائن”.
بينما أوضح تاجر مواشٍ أن ارتفاع أسعار الأعلاف والنقل والذبح انعكس بشكل مباشر على أسعار الأضاحى، مضيفًا:
“حتى الزبائن الذين كانوا يشترون كل عام تراجعوا هذا الموسم، لأن الأولويات تغيرت والقدرة الشرائية تراجعت بشكل واضح”.
وبين الغلاء المتصاعد وضغوط الامتحانات وتراجع الدخول، يبدو أن عيد الأضحى هذا العام جاء محملًا بأسئلة ثقيلة حول قدرة الأسرة المصرية على التكيف مع الأعباء الاقتصادية المتزايدة، فى وقت أصبحت فيه أبسط مظاهر الفرحة تحتاج إلى ميزانية تفوق إمكانيات كثير من المواطنين.
