بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الملابس والأضاحى والخضراوات والفاكهة للفرجة فقط

أسواق‭ ‬بلا‭ ‬مشترين‭ ‬فى‭ ‬العيد

بوابة الوفد الإلكترونية

الركود‭ ‬كلمة‭ ‬السر‭.. ‬و‭ ‬الدروس‭ ‬الخصوصية‭ ‬والمراجعات‭ ‬تلتهم‭ ‬الميزانية
مواطنون‭ ‬يرفعون‭ ‬‮«‬الراية‭ ‬البيضاء‮»‬‭ ‬أمام‭ ‬الأسعار

 

بين‭ ‬أصوات‭ ‬الباعة‭ ‬الخافتة‭ ‬التى‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تغطيها‭ ‬ضوضاء‭ ‬الزحام،‭ ‬وواجهات‭ ‬المحال‭ ‬التجارية‭ ‬التى‭ ‬اكتست‭ ‬بألوان‭ ‬العيد‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬فى‭ ‬اجتذاب‭ ‬المشترين،‭ ‬يقف‭ ‬الشارع‭ ‬المصرى‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬أمام‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مواسم‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬قسوة‭ ‬وارتباكًا‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭. ‬فالعيد‭ ‬الذى‭ ‬اعتاد‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬طقوس‭ ‬البهجة‭ ‬الجماعية،‭ ‬من‭ ‬شراء‭ ‬الأضاحى‭ ‬والملابس‭ ‬الجديدة‭ ‬وحتى‭ ‬التجهيز‭ ‬للزيارات‭ ‬والعزائم‭ ‬العائلية،‭ ‬بدا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬مثقلاً‭ ‬بهموم‭ ‬اقتصادية‭ ‬متراكمة‭ ‬أطفأت‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬ملامح‭ ‬الفرحة،‭ ‬وحولت‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬مساحات‭ ‬للمشاهدة‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬أماكن‭ ‬للبيع‭ ‬والشراء‭.‬
فى‭ ‬جولة‭ ‬داخل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬الشعبية‭ ‬والتجارية،‭ ‬بدت‭ ‬الصورة‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا‭ ‬عن‭ ‬المواسم‭ ‬السابقة؛‭ ‬فلا‭ ‬أصوات‭ ‬المزايدات‭ ‬المعتادة‭ ‬داخل‭ ‬شوادر‭ ‬المواشى،‭ ‬ولا‭ ‬التدافع‭ ‬أمام‭ ‬محال‭ ‬الملابس،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬مشاهد‭ ‬شراء‭ ‬السلع‭ ‬الغذائية‭ ‬بالكميات‭ ‬الكبيرة‭ ‬استعدادًا‭ ‬لأيام‭ ‬العيد‭.‬
الجميع‭ ‬يتحرك‭ ‬بحسابات‭ ‬دقيقة‭ ‬ومتوترة،‭ ‬وكأن‭ ‬كل‭ ‬جنيه‭ ‬أصبح‭ ‬يخضع‭ ‬لمعركة‭ ‬بقاء‭ ‬يومية‭. ‬فموجات‭ ‬الغلاء‭ ‬المتلاحقة،‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬اللحوم‭ ‬والملابس‭ ‬والسلع‭ ‬الأساسية،‭ ‬تزامنت‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬مع‭ ‬موسم‭ ‬امتحانات‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬الدراسى،‭ ‬لتضع‭ ‬الأسرة‭ ‬المصرية‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬مزدوج‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يسمح‭ ‬بأى‭ ‬مساحة‭ ‬للرفاهية‭ ‬أو‭ ‬الإنفاق‭ ‬غير‭ ‬الضرورى‭.‬
ولأن‭ ‬امتحانات‭ ‬الفصل‭ ‬الدراسى‭ ‬الثانى‭ ‬جاءت‭ ‬متزامنة‭ ‬مع‭ ‬أيام‭ ‬العيد،‭ ‬فقد‭ ‬وجدت‭ ‬آلاف‭ ‬الأسر‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬لإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياتها‭ ‬بشكل‭ ‬قاسٍ؛‭ ‬إذ‭ ‬تحولت‭ ‬ميزانيات‭ ‬شراء‭ ‬الأضاحى‭ ‬وكسوة‭ ‬العيد‭ ‬إلى‭ ‬مصروفات‭ ‬للدروس‭ ‬الخصوصية‭ ‬والمراجعات‭ ‬النهائية‭ ‬والمذكرات‭ ‬التعليمية‭ ‬ورسوم‭ ‬الامتحانات،‭ ‬فى‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬التحول‭ ‬الذى‭ ‬فرضته‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطنين‭.‬
كثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تفكر‭ ‬فى‭ ‬شراء‭ ‬عجل‭ ‬أو‭ ‬خروف،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تعتبر‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬احتياجات‭ ‬الأبناء‭ ‬التعليمية‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬النجاة‭ ‬المؤقتة‭ ‬وسط‭ ‬موجة‭ ‬غلاء‭ ‬تلتهم‭ ‬الدخول‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭.‬
وفى‭ ‬الوقت‭ ‬الذى‭ ‬تراجعت‭ ‬فيه‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬بصورة‭ ‬لافتة،‭ ‬بدا‭ ‬واضحًا‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬دخلت‭ ‬موسمًا‭ ‬استثنائيًا‭ ‬من‭ ‬الركود؛‭ ‬فالتجار‭ ‬يشكون‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬الإقبال،‭ ‬والمواطنون‭ ‬يتجولون‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة‭ ‬بين‭ ‬المحال‭ ‬دون‭ ‬قدرة‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬الشراء،‭ ‬بينما‭ ‬أصبحت‭ ‬عبارات‭ ‬مثل‭ ‬“نتفرج‭ ‬بس”‭ ‬و“الأسعار‭ ‬نار”‭ ‬الأكثر‭ ‬تكرارًا‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬المتسوقين‭. ‬حتى‭ ‬الطقوس‭ ‬البسيطة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعيد،‭ ‬كشراء‭ ‬الحلوى‭ ‬أو‭ ‬تجهيز‭ ‬الولائم‭ ‬العائلية،‭ ‬أصبحت‭ ‬تخضع‭ ‬لحسابات‭ ‬مرهقة،‭ ‬بعدما‭ ‬تجاوزت‭ ‬الأسعار‭ ‬قدرة‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬المتوسطة‭ ‬ومحدودة‭ ‬الدخل‭.‬
هذا‭ ‬المشهد‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬حالة‭ ‬اقتصادية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬عكس‭ ‬تغيرًا‭ ‬واضحًا‭ ‬فى‭ ‬سلوك‭ ‬المواطنين‭ ‬وأنماط‭ ‬استهلاكهم؛‭ ‬فثقافة‭ ‬الشراء‭ ‬والتخزين‭ ‬بكميات‭ ‬كبيرة‭ ‬اختفت‭ ‬تقريبًا،‭ ‬وحل‭ ‬محلها‭ ‬شراء‭ ‬الضروريات‭ ‬فقط‭ ‬وبأقل‭ ‬الكميات‭ ‬الممكنة،‭ ‬فى‭ ‬محاولة‭ ‬للتكيف‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬اقتصادى‭ ‬ضاغط‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬المواطنين‭ ‬رفاهية‭ ‬الاختيار،‭ ‬بينما‭ ‬تحاول‭ ‬الأسر‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬العيد‭ ‬أمام‭ ‬الأبناء
صرخات‭ ‬مكتومة
فى‭ ‬الممرات‭ ‬الضيقة‭ ‬للأسواق،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬علامات‭ ‬الضيق‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬التجار‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬المواطنين‭ ‬الذين‭ ‬حملت‭ ‬كلماتهم‭ ‬قدرًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬والحسرة،‭ ‬بعدما‭ ‬أصبح‭ ‬العيد‭ ‬بالنسبة‭ ‬لكثيرين‭ ‬موسمًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬للضغوط‭ ‬المالية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬مناسبة‭ ‬للفرحة‭ ‬والتجمعات‭ ‬العائلية‭.‬
الأضحية‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬“حلم‭ ‬مؤجل”
يقف‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬محمود،‭ ‬محاسب‭ ‬بالمعاش،‭ ‬أمام‭ ‬أحد‭ ‬شوادر‭ ‬المواشى‭ ‬متأملًا‭ ‬أسعار‭ ‬الخراف‭ ‬والعجول‭ ‬التى‭ ‬سمعها‭ ‬من‭ ‬التاجر،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬بحسرة‭ ‬واضحة‭:‬
“طوال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬كنا‭ ‬نتشارك‭ ‬أنا‭ ‬وإخوتى‭ ‬فى‭ ‬شراء‭ ‬عجل‭ ‬للأضحية،‭ ‬وكان‭ ‬الأمر‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬عادة‭ ‬ثابتة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بفرحة‭ ‬العيد‭ ‬ولمّة‭ ‬العائلة‭. ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬فوجئنا‭ ‬بأسعار‭ ‬تفوق‭ ‬قدرتنا‭ ‬تمامًا؛‭ ‬فثمن‭ ‬العجل‭ ‬تضاعف‭ ‬بشكل‭ ‬مبالغ‭ ‬فيه،‭ ‬وأصبح‭ ‬الاشتراك‭ ‬نفسه‭ ‬عبئًا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحمله‭. ‬اضطررنا‭ ‬لإلغاء‭ ‬الفكرة‭ ‬تمامًا،‭ ‬والاكتفاء‭ ‬بشراء‭ ‬كمية‭ ‬بسيطة‭ ‬من‭ ‬اللحم‭ ‬لتوزيع‭ ‬جزء‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬المحتاجين‭ ‬وإدخال‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬البهجة‭ ‬على‭ ‬أولادنا”‭.‬
ويضيف‭: ‬“الأزمة‭ ‬ليست‭ ‬فى‭ ‬الأضحية‭ ‬فقط،‭ ‬لكن‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬حولنا؛‭ ‬فأسعار‭ ‬الطعام‭ ‬والكهرباء‭ ‬والدروس‭ ‬والملابس‭ ‬أصبحت‭ ‬تستنزف‭ ‬الدخل‭ ‬بالكامل،‭ ‬حتى‭ ‬المعاش‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يكفى‭ ‬منتصف‭ ‬الشهر”‭.‬
“كسوة‭ ‬العيد”‭ ‬هى‭ ‬الضحية
أمام‭ ‬أحد‭ ‬محال‭ ‬ملابس‭ ‬الأطفال،‭ ‬كانت‭ ‬السيدة‭ ‬إيمان،‭ ‬موظفة‭ ‬وأم‭ ‬لثلاثة‭ ‬أبناء،‭ ‬تتنقل‭ ‬بعينيها‭ ‬بين‭ ‬الأسعار‭ ‬المعلقة‭ ‬على‭ ‬الملابس‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تشترى‭ ‬شيئًا،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬بصوت‭ ‬متأثر‭: ‬“كل‭ ‬سنة‭ ‬كنت‭ ‬أحرص‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬ملابس‭ ‬جديدة‭ ‬لأولادى‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الظروف،‭ ‬لأن‭ ‬فرحة‭ ‬العيد‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأطفال‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالطقم‭ ‬الجديد‭ ‬والخروج‭ ‬والتنزه‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬الوضع‭ ‬مختلف‭ ‬تمامًا؛‭ ‬فنحن‭ ‬فى‭ ‬موسم‭ ‬امتحانات،‭ ‬وكل‭ ‬الأموال‭ ‬ذهبت‭ ‬للدروس‭ ‬الخصوصية‭ ‬والمراجعات‭ ‬النهائية‭ ‬والكتب‭ ‬الخارجية‭. ‬حتى‭ ‬المواصلات‭ ‬اليومية‭ ‬للدروس‭ ‬أصبحت‭ ‬عبئًا”‭.‬
وتابعت‭: ‬“ابنى‭ ‬الصغير‭ ‬ظل‭ ‬يسألنى‭ ‬عن‭ ‬ملابس‭ ‬العيد،‭ ‬لكنى‭ ‬حاولت‭ ‬إقناعه‭ ‬بتأجيل‭ ‬الأمر‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬الامتحانات‭. ‬شعرت‭ ‬بالعجز‭ ‬وأنا‭ ‬أرى‭ ‬نظرة‭ ‬الحزن‭ ‬فى‭ ‬عينيه،‭ ‬لكن‭ ‬ماذا‭ ‬نفعل؟‭ ‬التعليم‭ ‬أصبح‭ ‬معركة‭ ‬مكلفة‭ ‬جدًا”‭.‬
الشراء‭ ‬“بالقطعة”‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬“التخزين”
وفى‭ ‬سوق‭ ‬السلع‭ ‬الغذائية،‭ ‬يقول‭ ‬خالد‭ ‬صبرى،‭ ‬سائق‭ ‬تاكسى،‭ ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬كيسًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬يحتوى‭ ‬على‭ ‬كميات‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬الأرز‭ ‬والرقاق‭:‬
“فى‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬كنا‭ ‬نشترى‭ ‬احتياجات‭ ‬العيد‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة؛‭ ‬شيكارة‭ ‬أرز‭ ‬وكرتونة‭ ‬زيت‭ ‬وكميات‭ ‬لحوم‭ ‬تكفى‭ ‬أيام‭ ‬الإجازة‭. ‬أما‭ ‬الآن‭ ‬فأصبحنا‭ ‬نشترى‭ ‬باليوم،‭ ‬لأن‭ ‬الراتب‭ ‬يختفى‭ ‬سريعًا‭ ‬والأسعار‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬الزيادة”‭.‬
ويضيف‭: ‬“حتى‭ ‬تجهيز‭ ‬الفتة‭ ‬أصبح‭ ‬مكلفًا‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬طبيعى،‭ ‬وكل‭ ‬بيت‭ ‬يحاول‭ ‬تقليل‭ ‬الكميات‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭. ‬الناس‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تفكر‭ ‬فى‭ ‬العزومات‭ ‬أو‭ ‬الولائم،‭ ‬بل‭ ‬فى‭ ‬كيفية‭ ‬عبور‭ ‬الشهر‭ ‬بأقل‭ ‬الخسائر”‭.‬
“الفاكهة‭ ‬رفاهية”
وعلى‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬باعة‭ ‬الخضراوات،‭ ‬يقف‭ ‬سعيد‭ ‬عبد‭ ‬الله،‭ ‬عامل‭ ‬بناء،‭ ‬ممسكًا‭ ‬ببضعة‭ ‬أكياس‭ ‬صغيرة،‭ ‬ويقول‭: ‬“الأسعار‭ ‬أصبحت‭ ‬مرعبة‭ ‬وتتغير‭ ‬يوميًا،‭ ‬حتى‭ ‬الخضار‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬فى‭ ‬متناول‭ ‬الجميع‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نستطيع‭ ‬شراءه‭ ‬بالكميات‭ ‬المعتادة‭. ‬جئت‭ ‬اليوم‭ ‬لشراء‭ ‬نصف‭ ‬كيلو‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬صنف‭ ‬فقط‭ ‬حتى‭ ‬يكفى‭ ‬يومين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة”‭.‬
ويضيف‭ ‬بحزن‭: ‬“الفاكهة‭ ‬أصبحت‭ ‬رفاهية‭ ‬حقيقية،‭ ‬فأحيانًا‭ ‬سعر‭ ‬كيلو‭ ‬الفاكهة‭ ‬يساوى‭ ‬يومية‭ ‬العمل‭ ‬كاملة‭. ‬الأولاد‭ ‬يشتهون‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬لكن‭ ‬الظروف‭ ‬لا‭ ‬تسمح،‭ ‬والغلاء‭ ‬سرق‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬فرحة‭ ‬العيد”‭.‬
أمهات‭ ‬يهربن‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬طلبات‭ ‬الأطفال
داخل‭ ‬أحد‭ ‬المراكز‭ ‬التجارية،‭ ‬قالت‭ ‬السيدة‭ ‬منى‭ ‬على،‭ ‬ربة‭ ‬منزل،‭ ‬إنها‭ ‬أصبحت‭ ‬تتجنب‭ ‬اصطحاب‭ ‬أطفالها‭ ‬للأسواق‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تشعر‭ ‬بالعجز‭ ‬أمام‭ ‬الأسعار،‭ ‬موضحة‭: ‬“كل‭ ‬شيء‭ ‬غالٍ‭ ‬بشكل‭ ‬يفوق‭ ‬الخيال،‭ ‬والطفل‭ ‬بطبيعته‭ ‬يرى‭ ‬الألعاب‭ ‬والملابس‭ ‬والحلوى‭ ‬ويريد‭ ‬مثل‭ ‬باقى‭ ‬الأطفال‭. ‬لذلك‭ ‬أفضل‭ ‬النزول‭ ‬وحدى‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬أضع‭ ‬نفسى‭ ‬فى‭ ‬موقف‭ ‬محرج‭ ‬أمامهم”‭. ‬وأضافت‭: ‬“العيد‭ ‬زمان‭ ‬كان‭ ‬موسم‭ ‬فرحة‭ ‬حقيقية،‭ ‬أما‭ ‬الآن‭ ‬فأصبح‭ ‬موسم‭ ‬قلق‭ ‬وتوتر‭ ‬بسبب‭ ‬المصاريف‭ ‬المتراكمة”‭.‬
“العيد‭ ‬للفرجة‭ ‬فقط”
أما‭ ‬الشاب‭ ‬أحمد‭ ‬ربيع،‭ ‬موظف‭ ‬بإحدى‭ ‬الشركات‭ ‬الخاصة،‭ ‬فقال‭ ‬إن‭ ‬أغلب‭ ‬المواطنين‭ ‬أصبحوا‭ ‬يذهبون‭ ‬للأسواق‭ ‬بهدف‭ ‬“الفرجة”‭ ‬فقط،‭ ‬موضحًا‭: ‬“الناس‭ ‬تشاهد‭ ‬الأسعار‭ ‬ثم‭ ‬تغادر‭ ‬دون‭ ‬شراء،‭ ‬لأن‭ ‬الدخول‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬حجم‭ ‬الغلاء‭. ‬حتى‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يخرجون‭ ‬للتنزه‭ ‬وشراء‭ ‬الهدايا‭ ‬أو‭ ‬الملابس‭ ‬الجديدة‭ ‬أصبحوا‭ ‬يؤجلون‭ ‬كل‭ ‬شيء”‭.‬
وأضاف‭: ‬“أصبحنا‭ ‬نحسب‭ ‬تكلفة‭ ‬أى‭ ‬خطوة‭ ‬بدقة،‭ ‬من‭ ‬المواصلات‭ ‬وحتى‭ ‬الخروجات‭ ‬البسيطة،‭ ‬لأن‭ ‬أى‭ ‬مصروف‭ ‬إضافى‭ ‬قد‭ ‬يربك‭ ‬ميزانية‭ ‬الشهر‭ ‬بالكامل”‭.‬
أصحاب‭ ‬المعاشات‭ ‬الأكثر‭ ‬تضررًا
ومن‭ ‬بين‭ ‬الفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثرًا‭ ‬بالأزمة‭ ‬أصحاب‭ ‬المعاشات،‭ ‬وعنهم‭ ‬تحدثت‭ ‬الحاجة‭ ‬فاطمة‭ ‬السيد،‭ ‬أرملة‭ ‬وصاحبة‭ ‬معاش،‭ ‬قائلة‭: ‬“المعاش‭ ‬بالكاد‭ ‬يكفى‭ ‬الدواء‭ ‬وفواتير‭ ‬البيت،‭ ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬شراء‭ ‬ملابس‭ ‬أو‭ ‬لحوم‭ ‬أو‭ ‬تجهيزات‭ ‬عيد؟‭ ‬حتى‭ ‬زيارة‭ ‬الأقارب‭ ‬أصبحت‭ ‬صعبة‭ ‬بسبب‭ ‬تكلفة‭ ‬المواصلات‭ ‬والهدايا”‭.‬
وأضافت‭: ‬“أكثر‭ ‬ما‭ ‬يؤلمنى‭ ‬أننى‭ ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬أستطيع‭ ‬إسعاد‭ ‬أحفادى‭ ‬كما‭ ‬كنت‭ ‬أفعل‭ ‬كل‭ ‬عيد”‭.‬
تجار‭: ‬الأسواق‭ ‬تعيش‭ ‬“أضعف‭ ‬مواسمها”
ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬الشكوى‭ ‬عند‭ ‬المواطنين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬التجار‭ ‬الذين‭ ‬أكدوا‭ ‬أن‭ ‬الموسم‭ ‬الحالى‭ ‬يُعد‭ ‬الأضعف‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭. ‬يقول‭ ‬أحد‭ ‬تجار‭ ‬الملابس‭: ‬“الناس‭ ‬تدخل‭ ‬المحل‭ ‬وتسأل‭ ‬عن‭ ‬الأسعار‭ ‬ثم‭ ‬تخرج‭ ‬فورًا‭. ‬حركة‭ ‬البيع‭ ‬ضعيفة‭ ‬جدًا‭ ‬مقارنة‭ ‬بأى‭ ‬موسم‭ ‬عيد‭ ‬سابق،‭ ‬رغم‭ ‬أننا‭ ‬قدمنا‭ ‬تخفيضات‭ ‬كبيرة‭ ‬لمحاولة‭ ‬جذب‭ ‬الزبائن”‭.‬
بينما‭ ‬أوضح‭ ‬تاجر‭ ‬مواشٍ‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الأعلاف‭ ‬والنقل‭ ‬والذبح‭ ‬انعكس‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الأضاحى،‭ ‬مضيفًا‭:‬
“حتى‭ ‬الزبائن‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يشترون‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬تراجعوا‭ ‬هذا‭ ‬الموسم،‭ ‬لأن‭ ‬الأولويات‭ ‬تغيرت‭ ‬والقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬تراجعت‭ ‬بشكل‭ ‬واضح”‭.‬
وبين‭ ‬الغلاء‭ ‬المتصاعد‭ ‬وضغوط‭ ‬الامتحانات‭ ‬وتراجع‭ ‬الدخول،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬جاء‭ ‬محملًا‭ ‬بأسئلة‭ ‬ثقيلة‭ ‬حول‭ ‬قدرة‭ ‬الأسرة‭ ‬المصرية‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬الأعباء‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتزايدة،‭ ‬فى‭ ‬وقت‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬أبسط‭ ‬مظاهر‭ ‬الفرحة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ميزانية‭ ‬تفوق‭ ‬إمكانيات‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭.‬