بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حقيقة السعي بين الصفا والمروة وأصله التاريخي وشروطه

بوابة الوفد الإلكترونية

يعد السعي هو الركن الرابع من أركان الحج، وهو قطع المسافة بين الصفا - رأس نهاية جبل أبي قبيس - والمروة - رأس منتهى جبل قعيقعان - سبع مرات، وترجع التسمية إلى طبيعة الحجر؛ فالصفا البياض والصلابة، واشتقاقه من صفا يصفو، أي خلص من التراب والطين، والمروة هي الحجارة السود اللينة وقيل البيضاء [راجع: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار عالم الكتب، ٢ /١٧٩].

حقيقة السعي وأصله التاريخي

ويعد السعي تخليدًا لذكرى السيدة هاجر - عليها السلام - هذه المرأة التي جسدت قمة التوكل على الله؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهما: «أوَّلَ ما اتَّخَذَ النِّساءُ المِنطَقَ مِن قِبَلِ أُمِّ إسماعيلَ؛ اتَّخَذَت مِنطَقًا لتُعَفِّيَ أثَرَها على سارةَ، ثُمَّ جاءَ بها إبراهيمُ وبابنِها إسماعيلَ وهي تُرضِعُه، حتَّى وضَعَهما عِندَ البَيتِ عِندَ دَوحةٍ فوقَ زَمزَمَ في أعلى المَسجِدِ، وليسَ بمَكَّةَ يَومَئذٍ أحَدٌ، وليسَ بها ماءٌ، فوضَعَهما هُنالِكَ، ووضَعَ عِندَهما جِرابًا فيه تَمرٌ، وسِقاءً فيه ماءٌ، ثُمَّ قَفَّى إبراهيمُ مُنطَلِقًا، فتَبِعَتْه أُمُّ إسماعيلَ فقالت: يا إبراهيمُ، أينَ تَذهَبُ وتَترُكُنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنسٌ ولا شَيءٌ؟ فقالت له ذلك مِرارًا، وجَعَلَ لا يَلتَفِتُ إليها، فقالت له: آللَّهُ الذي أمَرَكَ بهذا؟ قال: نَعَم، قالت: إذَن لا يُضَيِّعُنا، ثُمَّ رَجَعَت، فانطَلَقَ إبراهيمُ حتَّى إذا كان عِندَ الثَّنيَّةِ حَيثُ لا يَرَونَه، استَقبَلَ بوجههِ البَيتَ، ثُمَّ دَعا بهؤلاء الكَلِماتِ، ورَفَعَ يَدَيه فقال: ﴿رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ﴾ - حتى بلغ - ﴿یَشۡكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وجَعَلَت أُمُّ إسماعيلَ تُرضِعُ إسماعيلَ وتَشرَبُ مِن ذلك الماءِ، حتَّى إذا نَفِدَ ما في السِّقاءِ عَطِشَت وعَطِشَ ابنُها، وجَعَلَت تَنظُرُ إليه يَتَلَوَّى -أو قال: يَتَلَبَّطُ- فانطَلَقَت كَراهيةَ أن تَنظُرَ إليه، فوجَدَتِ الصَّفا أقرَبَ جَبَلٍ في الأرضِ يَليها، فقامَت عليه، ثُمَّ استَقبَلَتِ الواديَ تَنظُرُ: هل تَرى أحَدًا؟ فلَم تَرَ أحَدًا، فهَبَطَت مِنَ الصَّفا حتَّى إذا بَلَغَتِ الواديَ رَفَعَت طَرَفَ دِرعِها، ثُمَّ سَعَت سَعيَ الإنسانِ المَجهودِ حتَّى جاوزَتِ الواديَ، ثُمَّ أتَتِ المَروةَ فقامَت عليها ونَظَرَت: هل تَرى أحَدًا؟ فلَم تَرَ أحَدًا، ففَعَلَت ذلك سَبعَ مَرَّاتٍ قال ابن عباس - رَضِيَ اللهُ عنهما: قال النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - «فذلك سَعْيُ النَّاسِ بينهما» [البخاري، صحيح البخاري، رقم ٣٣٦٤].

المتأمل في هذه الرحلة الإيمانية يدرك أنَّ السعي لم يُشرع لمجرد قطع المسافات، بل استحضارًا لذاك اليقين الذي جعل السيدة هاجر ترى في العدم وجودًا برعاية الله؛ فكانت هرولتها بين الصفا والمروة هي الأثر الذي اقتفت الأمة خطاه، لتتعلم أنَّ الأخذ بالأسباب -مهما ضؤلت- هو مفتاح الفرج الإلهي.


حكم السعي بين الصفا والمروة

اختلف الفقهاء في حكم السعي بين الصفا والمروة في الحج على قولين مشهورين:

قول الجمهور (مالك والشافعي وأحمد)

يُعدُّ السعيُ بين الصفا والمروة ركنًا من أركان الحج عند جمهور أهل العلم، وهو الصحيح من المذهب [المرداوي، الإنصاف، ٩ /٢٨٩]؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أيها الناس اسْعَوا، فإن اللهَ قد كتبَ عليكُم السّعْي» [أحمد: المسند (٢٧٣٦٧)]، ولما ورد عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «مَا أتَمَّ اللهُ حَجَّ امرِئٍ ولا عُمرَتَه لَم يَطُفْ بينَ الصَّفا والمَروةِ» [راجع: البخاري: الصحيح، (١٧٩٠)].

قول الحنفية
السعيُ بين الصفا والمروة واجبٌ وليس بركن، ومَنْ تركه لزمه دمٌ لإجباره [الكاساني، بدائع الصنائع، دار الكتب العلمية، ٢ / ١٣٤].

ويتمثل ركن السعي في الوجود بين الصفا والمروة سواء بذات الحاج أو محمولًا عند العذر، أما السعي راكبًا أو محمولًا مع القدرة على المشي فلا يُبطل الركن، لكنه يُوجب الدم لترك واجب المشي بغير عذر [الكاساني، بدائع الصنائع، ٢ / ١٣٤].


شروط السعي وواجباته
ينضبط السعي جملة من الشروط التي لا يصح الامتثال إلا بها، وهي مستقاة من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقريرات الفقهاء:

الأول: استيعاب المسافة بين الصفا والمروة، حيث يجب قطع المسافة كاملة بين الجبلين في كل شوط، فإن ترك شيئًا منها لم يصح شوطه؛ لأن النقص عن الحد الشرعي مبطل للعبادة المحددة بحدودها، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة [راجع: الكاساني، بدائع الصنائع، ٢ /١٣٣ - النووي، المجموع، ٨ /٦٩].
الثاني: الترتيب البدء بالصفا والختم بالمروة، حيث يُشترط أن يبدأ الساعي من الصفا وينتهي بالمروة، فإن بدأ بالمروة ألغي ذاك الشوط، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ابْدَؤُوا بما بَدَأَ اللهُ بهِ» [النسائي: السنن الكبرى، (٣٩٥٤)]، ولأن الترتيب بيان لمجمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] [راجع: الشافعي، الأم، ١ /٤٥ - البهوتي، كشاف القناع، ٢ /٤٨٧- حاشية الدسوقي، ٢ /٣٤]، ويرى الحنفية في رواية: أن الابتداء بالصفا ليس بشرط فلو بدأ بالمروة وختم بالصفا صح ولا شيء عليه [الكاساني: بدائع الصنائع، ٢ /١٣٤].

الثالث: العدد، حيث يُشترط إكمال سبعة أشواط؛ الذهاب شوط والإياب شوط، وهو مذهب الجمهور، ودليله فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقول ابن عمر - رضي الله عنهما: "قدِمَ النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكَّةَ فطافَ بالبَيتِ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ، ثُمَّ سَعى بينَ الصَّفا والمَروةِ" [البخاري، صحيح البخاري، (١٦٤٧) - المردواي، الإنصاف، ٤ / ١٦].

الرابع: الترتيب بين الطواف والسعي، اختلف الفقهاء في 
اشتراط تقدّم الطواف على السعي:

مذهب الجمهور (الأئمة الأربعة): يُشترط أن يقع السعي بعد طواف صحيح؛ لأن السعي تابع للطواف ومتتم له، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسعَ قط إلا عقيب طواف [السرخسي، المبسوط، ٤ /٤٦ - الماوردي، الحاوي الكبير، ٤ /١٥٧].

ومذهب الظاهرية وعطاء والثوري، ورواية عن أحمد: يجوز تقديم السعي على الطواف، لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع لمن سأله عن تقديم أو تأخير المناسك: «افْعَلْ وَلَا حَرَج» [البخاري، الصحيح، (٨٣)] [ابن قدامة: المغني، ٥ /٢٤٠- ابن رشد: بداية المجتهد، دار الحديث، ١ /٢٥٣].

الخامس: الموالاة بين الأشواط

عند المالكية والحنابلة: تُشترط الموالاة؛ لأن السعي عبادة واحدة كالصلاة والطواف، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توالى في سعيه [الحطاب، مواهب الجليل، ٤ /١٠٥ - البهوتي، كشاف القناع، ٢ /٤٨٧].

وعند الحنفية والشافعية: لا تُشترط الموالاة، فلو فرق بين الأشواط صح سعيه؛ لأنه نُسُك لا يتعلق بالبيت فلم تُشترط له الموالاة كالرمي [الزيلعي، تبيين الحقائق، ٢ /١٦ - ابن قدامة، المغني، ٣ /٣٥٧].