عماد فاروق رئيس مجلس إدارة شركة الحرية لتداول الأوراق المالية:
الأولويات وراء ترحيل ملف الاهتمام بالبورصة
4 مستهدفات للشركة خلال الفترة المقبلة
عقلية تبحث عن الحلول بدل الاستسلام، تخلق الفرص بدل انتظارها، تؤمن بأن الإنجاز الحقيقى لا يأتى بالحظ، بل بالعمل المتواصل والرؤية الواضحة.. الوقود الذى يجعل الطموح حيًا، ويمنح صاحبه القدرة على النهوض بعد كل تعثر بثقة أكبر وخبرة أعمق.. وكذلك محدثى لا ينظر إلى النجاح باعتباره محطة نهائية، بل رحلة مستمرة من التطور والتحدى والسعى الدائم نحو الأفضل.
الناجحون لم يولدوا وهم يمتلكون الطرق الممهدة أو الظروف المثالية، لكنهم امتلكوا شيئًا أكثر أهمية.. رغبة حقيقية فى تحقيق أهدافهم مهما كانت التحديات.. وعلى هذا الأساس كانت مسيرة الرجل منذ الصبا.
عماد فاروق رئيس مجلس إدارة شركة الحرية لتداول الأوراق المالية.. يدرك أن العقل المتزن أكثر قدرة على رؤية الصورة كاملة، يؤمن أن العزيمة لا تُشترى، وأن الإصرار ليس حالة مؤقتة، يدرك أن كل مرحلة صعبة تحمل معها درسا، وهو سر تميزه.
فى قلب القاهرة، يمتد ذلك الشارع العريق الذى يحمل اسم أحد كبار رجال السياسة فى تاريخ مصر، محمد شريف باشا، وكأن الزمن قرر أن يترك بصمته هناك، بين جدران شارع الشريفين، حيث تختلط رائحة التاريخ بصخب المال والأعمال. هناك يقف مبنى البورصة المصرية شامخًا، لا باعتباره مجرد مؤسسة مالية، بل كحارس لذاكرة اقتصادية امتدت جذورها منذ بدايات القرن العشرين، شاهدة على تحولات الأسواق، وصعود الإمبراطوريات الاقتصادية، وسقوط الأزمات، وبداية أحلام جديدة لا تنتهى.
امتدادًا لهذا المشهد المهيب، يظهر شارع آخر يحمل اسم «البورصة الجديدة»، وكأن المكان بأكمله أعاد تشكيل روحه من جديد، ليصبح انعكاسًا حيًا لفكرة التطور والاستمرارية. فى أول المبانى، وبالتحديد فى الطابق الرابع، تتجلى مساحة واسعة مفتوحة، ليست مجرد فراغ هندسى، بل نقطة التقاء تتقاطع عندها حركة الإدارات، والأفكار، والقرارات التى تُصنع خلف الأبواب المغلقة.
على يسار تلك المساحة، يتصدر مدخل رئيسى بهيبة لافتة، يقود إلى مجموعة من غرف الإدارة العليا، حيث الهدوء الذى يسبق القرار، والصمت الذى يخفى وراءه ضجيج الحسابات والرؤى المستقبلية. وفى قلب هذه الغرف، تتوسط غرفة مختلفة تمامًا عن سائر المكان، غرفة لا تبدو كمكتب تقليدى، بل كأنها مساحة صُممت لتكون عقل المؤسسة النابض، والمكان الذى تُولد داخله القرارات الاستثمارية، وتُرسم منه ملامح الاستراتيجيات الكبرى.
التصميم الهندسى للغرفة يحمل قدرًا استثنائيًا من الإبداع، تفاصيل الديكور تبدو كلوحة فنية متقنة، تجمع بين الفخامة والهدوء، بينما يتوسط المكتب أرجاء الغرفة فى موضع اختير بعناية شديدة، وكأن كل زاوية فيه تعكس فلسفة خاصة فى القيادة والترتيب والانضباط.
فوق سطح المكتب، تستقر أدوات مكتبية بسيطة لكنها مرتبة بدقة لافتة، تتجاور مع بعض اللمسات الجمالية والقصاصات الصغيرة التى لا تبدو عشوائية، أشبه بخريطة يومية لعقل لا يتوقف عن التفكير. وخلف تلك القصاصات، تكمن أجندة قديمة تحتفظ بين صفحاتها بما هو أعمق من المواعيد والخطط، ذكريات وتجارب وسطور كتبتها الأيام الصعبة قبل اللحظات المضيئة.
داخل تلك التفاصيل الصامتة، تتجسد قناعة راسخة بأن كل تعثر يحمل فى داخله درسًا خفيًا، وأن الأزمات، مهما اشتدت، قد تخبئ فرصًا لا يراها إلا أصحاب الرؤية والشجاعة. فالإصرار الحقيقى لا يعنى غياب الألم أو اختفاء الصعوبات، بل يعنى امتلاك القدرة على الوقوف مرة أخرى بثبات، والإيمان بأن الطريق نحو النجاح لا يُصنع بالحظ، وإنما بالعقل الذى يتعلم، والقلب الذى لا يعرف الاستسلام.
هدوء يسبق الكلمات، حكمة تتسلل بين تفاصيل الحديث دون ضجيج، هكذا بدا الرجل وهو يحلل المشهد الاقتصادى بعين أكثر اتزانًا وعمقًا. كان يزن كل كلمة بعناية، ويمنح كل قضية حجمها الحقيقى دون تهويل أو تقليل. طريقته فى الحديث تعكس عقلية تؤمن بأن الرؤية الواضحة لا تحتاج إلى صخب، وأن الثقة الحقيقية تظهر فى هدوء الطرح ودقة التحليل.
بقراءته للمشهد، يرى أن الاقتصاد الوطنى مر خلال السنوات الماضية بسلسلة من الأزمات المتلاحقة، بداية من التداعيات العالمية والضغوط الجيوسياسية، وصولًا إلى التحديات الاقتصادية الداخلية، إلا أن الحكومة -بحسب وصفه- تعاملت مع هذه الأزمات بقدر كبير من الاحترافية والمرونة، عبر سياسات هدفت إلى امتصاص الصدمات وتقليل آثارها السلبية على الأسواق والقطاعات المختلفة.
يستحضر فى حديثه المشهد الاقتصادى خلال عام 2025، باعتباره مرحلة حملت مؤشرات تعاف واضحة، تجلت فى بدء خفض أسعار الفائدة، وتحسن أداء العملة المحلية أمام الدولار، مدعومة بمؤشرات إيجابية لمصادر النقد الأجنبى، سواء من قطاع السياحة، أو إيرادات قناة السويس، أو نمو الصادرات. لكن هذا التحسن -كما يراه- لم يكن معزولًا عن المتغيرات الخارجية، إذ إن تصاعد التوترات الإقليمية والتقلبات العالمية انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد، وأعاد فرض ضغوط جديدة على الأسواق.
< واجه الاقتصاد الوطنى بالفعل تحديات ومعوقات داخلية ألقت بظلالها على مساره.. فما تعقيبك؟
- لحظة من التأمل العميق، وكأنه يعيد ترتيب المشهد الاقتصادى من زاوية أكثر اتساعًا، قائلاً: «الدين العام يظل أحد أبرز التحديات التى تعرقل انطلاقة الاقتصاد، خاصة مع ارتفاع أعباء خدمة الدين التى تستنزف جزءًا كبيرًا من الموارد، كذلك فإن عدم استقرار سعر الصرف يخلق حالة من الترقب والحذر لدى المستثمرين، لأن رأس المال يبحث دائمًا عن بيئة واضحة ومستقرة. ومع استمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة، تتزايد الضغوط على السوق، وتتراجع القدرة على جذب استثمارات جديدة قادرة على دفع عجلة النمو».
ورغم هذا الطرح الواقعى، لم تغب الرؤية المتفائلة عن حديثه، إذ بدت كأنها قناعة راسخة وليست مجرد كلمات عابرة. فالتفاؤل لديه أسلوب تفكير يمنح القدرة على الاستمرار وسط التحديات، وإيمان بأن المستقبل لا يُبنى بالخوف، بل بالثقة والعمل والصبر، ومن هذا المنطلق، يرى أن انطلاقة الاقتصاد مرهونة إلى حد كبير بهدوء الأوضاع الإقليمية وتراجع حدة التصعيد العسكرى فى المنطقة، خاصة أن السوق المحلى يمتلك العديد من المؤشرات الإيجابية، وحالة من الاستقرار النسبى فى مختلف القطاعات، بما يؤهله لاستعادة زخمه والانطلاق بقوة.
إصرار لا يعرف التراجع، وقدرة استثنائية على مواصلة الطريق حتى فى أكثر اللحظات تعقيدًا.. هكذا يقرأ المشهد النقدى، ويرى فى أداء البنك المركزى نموذجًا للاحترافية والمرونة فى إدارة السياسة النقدية تحت ضغوط استثنائية ومتغيرات متلاحقة.
يؤكد أن البنك المركزى نجح فى التعامل مع الأزمات بعقلية متوازنة، فحين تفرض التحديات نفسها يتجه إلى السياسات الانكماشية لكبح الضغوط التضخمية واحتواء الاضطرابات، وحين تتطلب المرحلة تحفيز النشاط الاقتصادى، يتحرك بمرونة عبر أدوات السياسة النقدية المختلفة لدعم الأسواق واستعادة التوازن.
أما فيما يتعلق بتدفقات الأموال الساخنة، فيرى أنها تمثل عنصرًا مهمًا فى توفير السيولة ودعم التدفقات النقدية، لكنها فى الوقت ذاته تظل أموالًا ذات طبيعة خاصة، تتحرك وفق حسابات الربحية السريعة، وتسعى دائمًا إلى اقتناص أعلى عائد ممكن، وهو ما يجعل الاعتماد عليها بشكل كامل أمرًا يحتاج إلى قدر كبير من الحذر والوعى بطبيعة تحركاتها المتقلبة.
< وما تقييمك لأداء السياسة المالية فى ظل الإجراءات المرنة؟
- على ملامحه ترتسم علامات ارتياح واضحة، قبل أن يجيب بثقة تحمل الكثير من التفاؤل، قائلاً: «السياسة المالية تسير بخطوات أكثر مرونة ووعيًا بطبيعة المرحلة، خاصة فيما يتعلق بتحفيز الإنتاج ودعم القطاعات القادرة على زيادة معدلات التصنيع، لأن التوسع الصناعى لا يعنى فقط تلبية احتياجات السوق المحلى، بل يفتح أبوابًا أوسع أمام التصدير، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على قوة الاقتصاد وقدرته على النمو».
ويضيف أن «الرؤية الاقتصادية الحالية لا تتوقف عند دعم القطاعات التقليدية فقط، بل تمتد أيضًا إلى ملف الاقتصاد غير الرسمى، الذى يمثل فرصة ضخمة إذا ما تم دمجه داخل المنظومة الرسمية بشكل احترافى ومدروس».. ويرى أن التحول الرقمى يمثل المفتاح الحقيقى لتحقيق ذلك، من خلال بناء منظومة رقمية متكاملة تسهم فى تسهيل الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وخلق اقتصاد أكثر تنظيمًا وقدرة على جذب الاستثمارات وتحقيق الاستدامة.
حصيلة طويلة من التجارب والخبرات المتراكمة، انعكست بوضوح على طريقته فى قراءة المشهد الاقتصادى، خاصة حين يتحدث عن الاستثمار الأجنبى المباشر، حيث تبدو رؤيته أكثر عمقًا.. يقول إن «تدفقات الاستثمار الأجنبى ترتبط بصورة مباشرة بطبيعة القرارات الاقتصادية التى تُتخذ، سواء على مستوى الماضى أو المستقبل، فالمستثمر دائمًا يراقب استقرار السياسات ووضوح الرؤية قبل اتخاذ قراره. ويرى أن المقارنة بين الأمس واليوم ليست عادلة بالكامل، لأن طبيعة التحديات والمتغيرات اختلفت، لكن رغم ذلك لا يزال السوق المحلى يحتفظ بالعديد من المزايا التنافسية القوية.
ويشير إلى أن بيئة الاستثمار ما زالت تمتلك عناصر جذب مهمة، فى مقدمتها العمالة المدربة منخفضة التكلفة، والسوق الاستهلاكى الكبير القادر على خلق فرص نمو حقيقية، إلى جانب الموقع الاستراتيجى الذى يمنح الاقتصاد أفضلية فى الوصول إلى الأسواق المختلفة. لكنه يشدد فى الوقت نفسه على أهمية العمل بصورة أكبر على استقطاب الكيانات الاقتصادية الكبرى، القادرة على تعزيز تدفقات النقد الأجنبى وخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد.
أكثر حرصًا على التفاصيل، وأكثر إيمانًا بأن الأرقام والبيانات ليست مجرد معلومات جامدة، بل مفاتيح لفهم المشهد بالكامل.. بهذا المنطق يتحدث عن برنامج الطروحات، بعقلية تميل إلى التحليل الهادئ والرؤية الواقعية
يرى أن نجاح الطروحات لا يرتبط بنموذج واحد ثابت، بل بطبيعة كل صناعة وخصوصيتها، فهناك قطاعات يكون المستثمر الرئيسى هو الخيار الأنسب لها، لما يمتلكه من خبرات وقدرات تشغيلية تدعم نموها، بينما توجد صناعات أخرى يكون طرحها فى البورصة أكثر فاعلية، باعتبار السوق أداة تمويل وجذب استثمارى تمنح الشركات فرصًا أوسع للتوسع والانتشار.
ويؤكد أن اهتمام الدولة بملف الطروحات لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد العمل على تأهيل البنية التحتية لسوق المال، وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، والانتهاء من العديد من الملفات التى كانت تمثل عائقًا أمام انطلاق برنامج الطروحات بالصورة المطلوبة، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية البورصة كأداة تمويل وتنمية وجذب لرؤوس الأموال.
من يرتب أفكاره جيدًا، يعرف كيف يمنح كل فكرة حجمها الحقيقى، وكيف يحول الرؤية إلى خطوات قابلة للتنفيذ.. هكذا تبدو رحلته المهنية، التى نجح خلالها فى تحقيق سلسلة من النجاحات المتتالية، وصولًا إلى تأسيس كيان يمتلك حضوره وتأثيره داخل السوق.
وتبدو مستهدفاته واضحة ومحددة، إذ يبنى خططه على 4 محاور رئيسية، تبدأ بالسعى لتحقيق معدلات نمو تتماشى مع نمو السوق نفسه، مرورًا بالتوسع فى قاعدة العملاء وتعزيز الانتشار، ثم دراسة أنشطة جديدة وإضافتها بما يدعم تنوع الخدمات، وصولًا إلى نشر ثقافة الاستثمار والتوعية المالية من خلال التعاون والبروتوكولات المشتركة مع الجامعات، إيمانًا منه بأن بناء الوعى هو الاستثمار الأكثر استدامة على المدى الطويل.
يعرف ما يريد ويسعى إليه، وهو سر تميزه، حريص على حث أولاده على الدراسة والنظام، لكن شغله الشاغل تعزيز ريادة الشركة فى السوق، فهل ينجح فى تحقيق ذلك؟