الحجة العظمى
تزخر آيات الذكر الحكيم ببيان الأحكام الشرعية فى مختلف مجالات الحياة، ومنها العبادات فمن خلال نظرة عامة نجد آيات محكمة تناولت فريضة الحج نزلت منجمة فى سور عديدة مثل البقرة وآل عمران والحج ففى العام التاسع الهجرى فرض الله جل وعلا آخر أركان الإسلام الخمسة وهى شعيرة الحج وبعد أشهر قليلة وتحديدًا خرج النبى فى 25 ذو القعدة من العام العاشر خرج النبى فى رحلة روحية سامية قاصدًا البيت الحرام حاجًا ومعه بشر كثير قيل إنه حوالى 124 ألف حاج من مختلف ارجاء الجزيرة العربية وقبل خروجه إلى مكة سلم قيادة المدينة المنورة إلى الصحابى أبى دجانة الساعدى الأنصارى.
لم يحج سيدنا فى حياته إلا مرة واحدة فكانت الأولى والأخيرة ولأهميتها الشرعية والروحية تعددت أسماؤها، فسميت حجة البلاغ لأن فيها الخطبة العصماء التى تضمنت فى آخرها قول المعصوم اللهم بلغت اللهم فاشهد، ويطلق عليها حجة الإسلام، لأن الحج إلى بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا كان آخر أركان الإسلام فرضًا. وأشهر أسمائها حجة الوداع لأن سيدنا انتقل إلى الرفيق الأعلى بعدها بوقت قصير؛ ولأن خطبته الأشهر يوم عرفة تضمنت عبارات فهم منها الناس أنهم لن يلقوه بعدها فى الحج أبدًا (أيها الناس اسمعوا قولى، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا). وكان الهدف الأسمى من الحجة العظمى هو أن يعلم النبى بنفسه للناس مناسك الحج بشكل نظرى وعملى فى آن واحد فقال خذوا عنى مناسككم.
ولقد وصل موكب الحج النبوى إلى أم القرى فى الرابع من ذى الحجة، فطاف طواف القدوم وسعى بين الصفا والمروة، وفى اليوم الثامن وهو يوم التروية توجه إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبعد صلاة الصبح توجه إلى عرفات ليقف هناك، وهو الركن الأهم من أركان الحج، فصلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا. ووقف على جبل الرحمة وخطب خطبته الشاملة الجامعة، ولأنه مبعوث رحمة الله للعالمين وحجة على العباد اجمعين كان آذ يسئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر من الشعائر إلا قال: (افعل ولا حرج). وسأله رجل يا رسول الله: سعيت قبل أن أطوف فقال: (لا حرج). فعلم بهذا أن السنة للحجاج أن يبدؤوا برمى الجمرة يوم العيد، ثم ينحروا إذا كان عليهم هدى، ثم يحلقوا أو يقصروا والحلق أفضل من التقصير، فإن النبى الرحيم دعا بالمغفرة والرحمة ثلاث مرات للمحلقين، ومرة واحدة للمقصرين، وبذلك يحصل للحاج التحلل الأول فيلبس المخيط ويتطيب ويباح له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ثم يذهب إلى البيت فيطوف به فى يوم العيد أو بعده. ويسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعًا، وبذلك يحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام حتى النساء. والجدير بالذكر أن أثناء وقوف النبى على جبل عرفه نزلت عليه الآية الكريمة «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينًا» والتى تعنى أن رسول الله قد بيّن للناس أصول العقائد، وتفاصيل العبادات، ودقائق المعاملات، فلم يعد الدين بحاجة إلى زيادة أو نقصان. وهنا تمام النعمة التى تكون بنصرة الله للمسلمين وإظهار دينهم وهدايتهم إليه، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. وفى تفسير البيضاوي: اليوم أكملت لكم دينكم بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد. وقال ابن عاشور فى التحوير والتنوير: اليوم أكملت لكم دينكم المراد بهما إكمال الكليات التى منها الأمر بالاستنباط والقياس،
أما خطبة الوداع فهى تشتمل على مبادئ ووصايا عظيمة عدها العلماء دستور الإسلام الجامع ولخصت لأمته، بل للبشرية جمعاء مبادئ الرحمة والإنسانية، ويرسى لها دعائم السلم والسلام، ويقيم فيها أواصر المحبة والأخوة.