الخليج يشتعل… والكاريبي على حافة الغزو
تشهد الساحة الدولية حشدًا جيوسياسيًا متسارعًا يضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام خيارات استراتيجية معقدة وحاسمة. فبين تصاعد نبرة المواجهة مع طهران، والتحركات العسكرية المريبة في حوض الكاريبي، يبدو أن واشنطن تعيد ترتيب أوراق الضغط الدولي وفق حسابات الردع الترامبي
ففي تطور دراماتيكي، عاد دونالد ترامب بشكل مفاجئ إلى العاصمة الأمريكية بعد إلغاء خططه لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في نيوجيرسي، بينما أكدت شبكة CBS أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية دخلت حالة تأهب قصوى.
بالتزامن مع إعلان أن
إيران أرسلت قاتلًا مأجورًا لاغتيال إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر
وبغض النظر عن صحة الرواية، فإن توقيتها وحده يكشف حجم التوتر الذي يسيطر على واشنطن.
ولم تتوقف مؤشرات الاشتعال عند البعد الاستخباراتي
وفي الوقت نفسه، نشر دان سكافينو، نائب رئيس أركان ترامب، مقطعًا لقاذفات B-52، الاستراتيجية. وهي إشارة لا يستهان بها داخل العقل العسكري الأمريكي، خصوصًا أن آخر مرة نشر فيها سكافينو لقطات مماثلة، تبعتها ضربات أمريكية مباشرة ضد إيران في اليوم التالي.
بالتزامن مع ذلك، بدأت إيران تشويشًا واسعًا على أنظمة GPS في الخليج والشرق الأوسط، وأغلقت أجزاء واسعة من مجالها الجوي، خاصة في الغرب الإيراني، حتى صباح الاثنين، بينما دخلت قواتها المسلحة أعلى درجات التأهب.
السؤال الآن لم يعد: هل هناك مواجهة؟
بل: أين ستنفجر؟
فهذا التصعيد يطرح تساؤلات استراتيجية عميقة: هل يفكر ترامب فعلياً في استئناف خيار الحرب المفتوحة ضد إيران، والمجازفة باستنزاف إضافي لجيشه، وتعميق أزمة الطاقة العالمية والتضخم الاقتصادي؟ وهل يمكن لواشنطن الإقدام على قصف إيران وهي في حالة تأهب قصوى، وبالتزامن مع وجود أكثر من مليوني حاج في المملكة العربية السعودية؟ إن سيناريو كهذا كفيل بإشعال فوضى إقليمية غير مسبوقة لن تفلت القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة من ارتداداتها الكارثية
أم أن كل هذا التصعيد مع إيران ليس سوى غطاء جيوسياسي لمعركة أخرى … في البحر الكاريبي؟
ماركو روبيو وزير خارجية أمريكا أعلن أمس أن كوبا أصبحت تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي.
وفي التوقيت نفسه، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن الصين وروسيا وسعتا بشكل هائل نشاطهما الاستخباراتي داخل كوبا، حيث تضاعف عدد العناصر المرتبطة بعمليات التجسس منذ عام 2023 قرابة ثلاث مرات.
وبحسب التقرير، تدير بكين وموسكو منشآت تنصت إلكتروني متقدمة تستهدف مواقع عسكرية أمريكية حساسة في فلوريدا.
الصين تدير 3 مواقع من أصل 18 موقع تجسس معروف داخل كوبا، بينما تدير روسيا موقعين، وبعض هذه المواقع يعمل بشكل مشترك مع الاستخبارات الكوبية.
وفي 20 من الشهر الجاري، وصلت حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس نيميتز” ومجموعتها القتالية، بما في ذلك المدمرة “يو إس إس غريدلي”، إلى البحر الكاريبي رسميًا تحت غطاء عملية “بحار الجنوب 2026”.
لكن القيادة الجنوبية الأمريكية أكدت أن الانتشار الجديد يمنح واشنطن “جاهزية قتالية وميزة استراتيجية”، وهي لغة عسكرية تحمل ما هو أبعد من مجرد المناورات.
الأخطر أن وصول نيميتز تزامن مع توجيه واشنطن اتهامات رسمية بالضلوع في جرائم قتل إلى الزعيم الكوبي راؤول كاسترو، في خطوة أعادت إلى الأذهان السيناريو الذي سبق التصعيد الأمريكي ضد فنزويلا قبل أشهر.
وفي الوقت نفسه، تكشف بيانات تتبع الطيران أن الولايات المتحدة فرضت شبه حصار أمني دائم حول كوبا باستخدام طائرات MQ-4C Triton الاستطلاعية بعيدة المدى، إلى جانب خمس طائرات P-8A Poseidon وطائرات RC-135 Rivet Joint المتخصصة في الحرب الإلكترونية واعتراض الاتصالات والرادارات.
إدارة ترامب تبرر هذا الحشد بمعلومات استخباراتية تزعم أن كوبا حصلت على أكثر من 300 طائرة مسيرة عسكرية من روسيا وإيران، ويمكن استخدامها ضد قاعدة غوانتانامو أو حتى أهداف داخل الولايات المتحدة.
لكن هذا الخطاب يبدو بالنسبة لكثيرين تمهيدًا سياسيًا وإعلاميًا لعملية عسكرية محتملة أكثر من كونه مجرد تحذير أمني.
السيناريو المتوقع يشبه ما جرى مع فنزويلا… لكن السؤال الحقيقي:
هل تستطيع كوبا الصمود؟
الجزيرة تعيش بالفعل أزمة خانقة: انقطاع كهرباء، نقص وقود، ارتفاع هائل في تكاليف المعيشة، تراجع السياحة، وضغط اقتصادي مستمر بفعل العقوبات الأمريكية.
ومع ذلك، عملت هافانا خلال الأشهر الماضية على تحديث دفاعاتها الجوية عبر عقد مع شركة ALEVKURP البيلاروسية لتطوير أنظمة “بيتشورا” إلى معيار S-125-2BM.
النظام الجديد لم يعد مجرد بقايا من الحرب الباردة، بل أصبح قادرًا على الاشتباك مع أهداف جوية وبرية وبحرية، مع تحسينات كبيرة على الرادارات وأنظمة التتبع الحراري والتلفزيوني، بما يسمح بتنفيذ عمليات الاشتباك حتى دون تشغيل الرادار الكامل، لتقليل فرص اكتشافه وتدميره.
ورغم ذلك، تدرك كوبا أنها غير قادرة على هزيمة القوة الجوية الأمريكية بشكل تقليدي.
لذلك تعتمد هافانا على مفهوم مختلف تمامًا: “الدفاع بأسلوب حرب العصابات الجوية”.
الهدف ليس إسقاط أمريكا عسكريًا… بل تحويل أي تدخل إلى استنزاف سياسي واستراتيجي طويل المدى.
ولهذا تعتمد كوبا بشكل كبير على وحدات الحرب الإلكترونية التي حدثتها شركات روسية وبيلاروسية خلال السنوات الأخيرة.
وتشير تقارير متعددة إلى أن هذه الأنظمة اختبرت بالفعل عمليات تشويش وتزييف لإشارات الأقمار الصناعية في البحر الكاريبي، وهو ما تسبب في شذوذات ملاحية ومغناطيسية رُصدت خلال مايو 2026.
كما تنتشر وحدات الحرب الإلكترونية الكوبية بشكل متنقل ومموه داخل الجزيرة، ما يجعل استهدافها مهمة معقدة حتى للطائرات الأمريكية المتقدمة.
على أي حال، تبدو الساعات القادمة شديدة الحساسية…
فربما تكون النار قد بدأت بالفعل في مغادرة الخليج متجهة نحو البحر الكاريبي.
إيران أثبتت أن الحروب الحديثة لم تعد نزهة أمريكية سهلة، وكوبا تدرك أن المطلوب ليس تحقيق نصر عسكري كامل، بل تحويل أي تدخل أمريكي إلى مستنقع استنزاف طويل يضرب صورة القوة الأمريكية نفسها.
لكن يبقى الدرس الأخطر حاضرًا في العقل الكوبي:
الإمبراطوريات نادرًا ما تخترق خصومها من السماء أولًا…
بل من الداخل.
ولعل ما حدث مع نيكولاس مادورو لا يزال حاضرًا بقوة في ذاكرة هافانا السياسية.