زاوية حرة
صناعة التريند.. «شغلانة العاطل»
في السنوات الأخيرة تغير شكل الشهرة بصورة مخيفة؛ فلم تعد مرتبطة بموهبة حقيقية أو فكرة تستحق أن تعيرها اهتمامك كشخص متزن، وأصبح الوصول إلى الناس أسهل من أي وقت مضى، حتى لو كان الطريق مليئًا بالابتذال والاستفزاز وكسر كل ما تبقى من الذوق العام ودهسه تحت الأحذية الغليظة، فهناك من اكتشف أن اللعب على «السوشيال ميديا» أسرع من الاجتهاد، وأن الصدمة تحقق انتشارًا أكبر من أي قيمة حقيقية؛ لذلك تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة لصناعة محتوى فارغ لا يعيش إلا على إثارة الجدل، بينما يدفع المجتمع ثمنًا ثقيلًا من لغته وأفكاره وصورته أمام الأجيال الجديدة.
اليوم أصبحت صناعة ما يسمى بـ«التريند» بسيطة للغاية لدى العاطلين الجدد ممن يقتاتون على «الفرقعات» وخلق نوع من الحروب الكلامية لدى قطاع كبير من الجمهور حول قضايا لا أهمية لها، ما يعني أن الأمر برمته يرتكز على الصراخ والمشاهد المفتعلة واستعراض الخصوصية والإسفاف المتعمد، وكأن الإنسان أصبح مستعدًا للتخلي عن أي قيمة مقابل عدد أكبر من المشاهدات، حتى تحولت بعض الصفحات إلى ما يشبه أسواقًا يومية للفوضى المتعمدة، وبالطبع يُكافأ فيها الأكثر انتشارًا بأي محتوى والسلام، بينما تتراجع الأعمال الجادة بهدوء أمام سيل هائل من المحتوى السطحي.
ولقد تابعنا جميعًا خلال الأيام الماضية حالة من «التريندات» المصطنعة، عندما حاول أحد الأشخاص الزج بالجلابية الصعيدي في محتواهم الهابط بغية لفت نظر الرأي العام وخلق حالة من الجدل، لكن سرعان ما فطن قطاع كبير من المصريين إلى أن تلك الوقائع مفبركة، فتلقى هؤلاء سيلًا من السباب والشتائم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولعلهم يستفيدون من الدرس، ولكن الحقيقة أن الأخطر من تلك الواقعة هو تكرارها بأشكال مختلفة، بما يجعل الانحدار يبدو طبيعيًا مع الوقت؛ فالناس تعتاد ما تراه باستمرار، وما كان صادمًا بالأمس يصبح أمرًا مألوفًا اليوم، وهنا تبدأ المشكلة.
ورغم أن التكنولوجيا منحت الجميع فرصة للتعبير والإبداع، فإن البعض اختار الطريق الأسهل؛ طريق الإثارة الرخيصة التي لا تحتاج إلى جهد بقدر ما تحتاج إلى استعداد دائم لتجاوز الحدود، لذلك لم يعد غريبًا أن تتحول الإهانة إلى محتوى، وأن يصبح كشف الحياة الخاصة وسيلة للشهرة، وذلك باستخدام الألفاظ الهابطة باعتبارها نوعًا من خفة الظل، في وقت يختفي فيه أصحاب المواهب الحقيقية خلف ضوضاء مستمرة تفرضها الخوارزميات والجمهور الباحث عن أي شيء يسرق انتباهه ولو للحظات قليلة.
والمشكلة الآن بصراحة تكمن في رواج ثقافة كاملة بدأت تُقنع الناس بأن القيمة الحقيقية للإنسان تُقاس بقدرته على تحقيق التفاعل، حتى لو كان ذلك على حساب الاحترام أو الأخلاق أو الذوق العام، وهي فكرة خطيرة؛ لأنها تخلق جيلًا يرى أن الوصول أهم من الطريق، وأن الشهرة تبرر كل شيء، ومع الوقت يصبح الإسفاف أمرًا عاديًا، بينما تتحول القيم إلى مجرد شعارات قديمة لا مكان لها وسط سباق «التريندات» السريعة واللهاث المستمر خلف الأرباح والمشاهدات، وهي طامة كبرى حين يُقاس النجاح بعدد المتابعين لا بقيمة الإنسان نفسه.
إننا مقبلون لا محالة على مواجهة مع الأجيال القادمة بشأن إقناعهم بالعدول عن بث المحتوى المبتذل عبر منصات التواصل، وسنواجه حقًا صعوبة بالغة معهم، ولن يجدي حتى النقاش حول أفكارهم؛ لأن من شب على شيء شاب عليه، فالبعض منهم سيكبر وهو يظن أن الشهرة الزائفة وحدها تكفي لصناعة المكانة، وأن الاحترام لم يعد ضروريًا طالما أن الأضواء مسلطة عليه، فتضيع الحدود بين الحرية والفوضى، وبين الترفيه والإساءة، ويصبح أي تجاوز قابلًا للتبرير ما دام يحقق الانتشار والربح.
وربما لهذا يبدو وصف «شغلانة العاطل» لهؤلاء المرتزقة قريبًا من الواقع؛ لأنهم اختاروا الطريق الذي لا يحتاج إلى موهبة أو جهد حقيقي، واكتفوا بصناعة المحتوى الهابط من أجل البقاء تحت الأضواء، بينما يُدهس الذوق العام كل يوم تحت عجلات السعي المحموم وراء الشهرة السريعة، في مشهد يكشف كيف يمكن أن يتحول الفراغ إلى تجارة، وكيف يصبح الانحدار وسيلة سهلة للانتشار في زمن باتت فيه الضوضاء أعلى صوتًا من القيمة.