مواطن مع إيقاف التنفيذ.. ساقطو القيد رحلة حرمان من الحقوق تبدأ بشهادة ميلاد "قصص مأساوية من الواقع" (تحقيق استقصائي)
يمضي في الشهر السادس من عمره، ولكن الدولة لا تعترف بوجوده حتى الآن، "أحمد".. رضيع بلا هوية، نتج عن زواج عُرفي في إحدى قرى محافظة الجيزة، إلا أنه فور ولادته رفض الأب تمامًا الاعتراف به، وقام بتمزيق ورقة الزواج التي كانت تجمع بينه وبين والدة الطفل.
الأم حاولت وترجت الأب في الذهاب لأقرب وحدة صحية لتسجيل المولود؛ ليتمكن من أخذ التطعيمات في توقيتها أسوة بالمواليد الجُدد، وتجنبًا لأي عرّض صحي، إلا أن كل محاولاتها باءت بالفشل، فتركت الرضيع يواجه مصير غير معلوم واتجهت لطريق الإدمان.
خالة "أحمد" القائمة على رعايته، تقول:" احنا في مشكلة كبيرة، الأب مش راضي يعترف بالولد ولا يسجله رغم إنهم كانوا متجوزين عرفي"، متسائلة:" الطفل مصيره إيه؟ مش عارفين نسجله وفي وسط الناس هو مجهول الهوية".
حتى الآن، "أحمد" لم يأخذ أيٍ من التطعيمات التي توفرها وزارة الصحة للمواليد الجُدد، ولم يستطع أهل الأم تسجيله أو استخراج شهادة ميلاد لتُثبت هويته ونسبه، ليسقط قيده، ويُصبح الرضيع أمام مستقبل مجهول.
ويظهر من ذلك أن الحياة بها صعوبات وتحديات لا تنتهي، ولكن ليس هناك أصعب من شعور أن تكون شخص بلا هوية، بلا اسم، بلا تعريف، وبلا ورقة تقول من أنت، غير معترف بك قانونًا وتفتقد لكل حقوقك وأبسطها.. أن تكون موجود في الحقيقة ولكن في سجلات الدولة لا وجود لك، لا أنت حي ولا أنت ميت.. أنت في نظر الأوراق الرسمية لم تأتِ من الأساس.
المولود شخص لم يختار أن يأتي إلى الحياة ولكن ربما تتيح له الدنيا فرصة للإختيار فيما بعد في مجالات شتى، بينما الأشخاص غير المسجلين وساقطي القيد يستكملون رحلتهم في عدم الاختيار لأي شيء لأنهم في نظر الجميع غائبين رغم وجودهم، إذ كُتب عليهم أن يبقوا في الظل.
250 ألف طفل مجهول النسب سنويًا
ويبلغ عدد السكان وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 108.9 ملايين نسمة، وبحسب الجهار أيضًا بلغ عدد المواليد المسجلين مليون و968 ألف و396 مولود بنهاية العام 2024، مقابل مليوني و44 ألف و880 مولود عام 2023.
ويُشار إلى أن عدد المواليد في 2024 المرة الأولى التي يقل فيها عدد الولادات السنوي عن مستوى مليوني ولادة منذ 17 عاماً.

ولا توجد أرقام دقيقة عن أعداد غير المسجلين بعد الولادة أو ساقطي القيد، فبعد بحث طويل لم نجد سوى احصائية لوزارة الصحة منذ العام 2017، تقول أن هناك نحو 250 ألف طفل مجهول النسب سنويًا في مصر، ووقتها أرجعت أسباب تلك الإحصائية المرتفعة إلى زواج القاصرات.
4 مليون ساقط قيد حتى 2019
وخلال عام 2019، أعلنت لجنة محاربة الفقر التابعة لوزارة الصحة والسكان، فى تقرير رسمى، أن أكثر من 4 ملايين مواطن ساقطو قيد فى 7 محافظات فقط هى الجيزة و6 أكتوبر وحلوان وبنى سويف والمنيا وسوهاج وقنا.

شهادة ميلاد = إثبات هوية
وفي مصر، شهادة الميلاد هي الوثيقة القانونية الأساسية لإثبات هوية الطفل وشخصيته وعمره، ونسبه، وتكون إلزامية خلال 15 يوماً من الولادة، وتُسمى عملية إصدار الشهادة تسجيل الولادة، وفيها يرد اسم الطفل وتاريخ الميلاد ومكان الولادة وأسماء الوالدين وجنسية كل من الوالدين والطفل.

وبموجب القانون المصري يُعتبر تسجيل الولادة إلزامي لجميع الأطفال المولودين داخل الدولة بصرف النظر عمّا إذا كان الطفل مصريًا أم غير مصري، وتمتد فائدة شهادة الميلاد منذ الولادة وطيلة حياة الشخص، كالحصول علىالحقوق المدنية والخدمات الأساسية "كالتطعيمات، الرعاية الصحية، التعليم، استخراج بطاقة الرقم القومي، والزواج،الميراث، والتسجيل في التأمين الصحي الشامل"، وعدم تسجيل المولود خلال المدة القانونية قد يؤدي إلى تعقيدات إدارية قد تؤثر على حصول الطفل على هذه الحقوق.
حالات قائمة وأرقام غائبة
وبالتواصل مع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، قال تامر حبيب، المستشار الإعلامي لرئيس الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، إن الجهاز ليس لديه أرقام حول عدد الأطفال غير المسجلين في مصر أو ساقطي القيد، إذ أن الجهاز يعتمد على البيانات الرسمية التي تخرج عن وزارة الصحة لنشرة المواليد والوفيات.
كما أن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ليس جهة منوط بها حصر أعداد الأطفال غير المسجلين أو الأشخاص ساقطي القيد، وأن وزارة الصحة من الممكن أن يكون لديها هذه الأرقام، ولكن عندما تكتشف ذلك، فمثلًا إذا كان عدم التسجيل ناتج عن زواج قاصرات فعندما يتحول لزواجًا رسميًا ويتم التسجيل وقتها يتم إثبات التاريخ للمولود، وذلكوفقًا للمستشار الإعلامي لرئيس الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، خلال حديثه مع الوفد.

وللوقوف على أرقام دقيقة واحصائيات حديثة حول عدد غير المسجلين في دفاتر الدولة، حرصت الوفد على التواصل بالفعل مع المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، الدكتور حسام عبد الغفار، وجاء الرد بأن إصدار شهادات الميلاد ليس من اختصاص وزارة الصحة، بل هو مسؤولية قطاع الأحوال المدنية، وكذلك تصدر الإحصاءات الرسمية من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وأن دور وزارة الصحة والسكان المصرية، وفقًا لـ عبد الغفار، يقتصر على إثبات واقعة الميلاد طبيًا وإصدار إخطار الولادة، مع دعم منظومة التسجيل من خلال الرقمنة والتنسيق مع الجهات المعنية.
وبالتالي، فإن طرح أرقام أو نسب تفصيلية أو مناقشة إجراءات إصدار الشهادات هو أمر يخرج عن نطاق اختصاص الوزارة، ويتم التعامل معه من خلال الجهات المختصة قانونًا، في إطار منظومة حكومية متكاملة، حسبما ذكر المتحدث الرسمي لوزارة الصحة.
وتوجهنا إلى أحد مكاتب الأحوال المدنية بمحافظة الجيزة، لمعرفة عدد ساقطي القيد المترددين عليه من الأشخاص الذين لا هوية لهم, لاستخراج شهادات ميلاد، وكانت الإجابة أنهم ليست لديهم أية معلومات دقيقة حول هذا الشأن.
الواقع في مواجهة القانون
“مرزوق".. شاب يعيش بيننا منذ 33 عامًا - بالتقريب- ولكنه في نظر الدولة لا وجود له، فهو فاقدًا لهويته، ولا يملگ أي إثبات شخصية، هو ابن لأمٍ وأبٍ لما يستطيعا تسجيل مولودهم لأسباب غير معلومة، فـ رغم بلوغة عمر الثلاثين إلا أنه غير مسجل بدفاتر الدولة ويعيش محرومًا من أبسط حقوقه في التعليم والزواج والصحة، وكذلك المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية.

يقول مرزوق:" أنا عايز بطاقة، أنا مش عارف أشتغل ولا عارف اتجوز، ولا عارف أعيش زي الناس، أنا بحاسب على ذنب مش ذنبي.. بقالي 15 سنة بلف علشان أطلع شهادة ميلاد، ووكلت محامية وطلعت فيش وتشبيه وروحت السجل المدني أكتر من مرة، وفي الآخر برضه محدش عرف يساعدني".
وتنص المادة 14 من قانون الطفل المصري رقم 126 لسنة 2008، أنه يجب التبليغ عن المواليد خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ حدوث الولادة، وفي المادة 15من القانون ذاته يكون الأشخاص المكلفون بالتبليغ عن الولادة هم:والد الطفل إذا كان حاضراً، والدة الطفل شريطة إثبات العلاقة الزوجية علي النحو الذي تبينه اللائحة التنفيذية، مديرو المستشفيات والمؤسسات العقابية ودور الحجر الصحي وغيرها من الأماكن التي تقع فيها الولادات، العمدة أو الشيخ كما يجوز التبليغ ممن حضر الولادة من الاقارب والاصهار البالغين حتي الدرجة الثانية.
ويسأل عن عدم التبليغ في المواعيد المقررة المكلفون به بالترتيب السابق، ولا يجوز قبول التبليغ من غير الأشخاص السابق ذكرهم، ويوقع قانون الأحوال الشخصية، عقوبة الغرامة على من يتأخر في تسجيل مولوده عن المهلة المحددة للوالدين بـ15 يومًا، وتطبق عليهم غرامة فورية تصل إلى 200 جنيه، عند تسجيل المولود بعد تلك المدة.
والمادة 19 من قانون الأحوال المدنية تنص على أنه: يجب التبليغ عن وقائع الميلاد خلال 15 يومًا من تاريخ حدوث الواقعة الميلاد، ويكون التبليغ من المكلفين به على نسختين من النموذج المعد لذلك، ومشتملًا على البيانات والمستندات التي تحددها اللائحة التنفيذية والتي تؤكد صحة الواقعة. والمادة 66 من نفسالقانون تنص على أنهيعاقب على مخالفة أحكام المواد (19) بغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على مائتي جنيه.
وحدّد قانون الأحوال الشخصية بأن من له تسجيل المولود هو الأب وفى حالة وفاته عند ولادة الطفل تقوم بتسجيله الأم مع تقديم ما يثبت ذلك أو في حالة سفره تقديم هوية الأب وما يفيد ذلك، أو شقيق بالغ من جانب الأب بتحقيق هوية الأب أو جد أو جده أو عمه أو عم.
وفي أبريل 2015، اصدرت المحكمة الإدارية العليا في حكم نهائي صادر عنهاأن استخراج شهادة الميلاد للمولود ليس حقًا حصريًا للزوج، بل يحقّ للأم أيضًا أن تسجّل مولودها — حتى في حال وجود خلافات زوجية أو رفض الأب.
أحمد مصيلحي رئيس شبكة الدفاع عن اللاطفال، يؤكد أنه من حق أي طفل أن يكون له أوراق ثبوتية، وأن يمارس حقوقه التعليمية والصحية السياسية والاجتماعية، مشيرًا إلى أن القانون الدولي والقانون المصري يضمنان للطفل هذه الحقوق.
يذكر مصيلحي، أن قانون الطفل المصري، يضمن تسجيل الطفل في جميع الأحوال، و إن كان قانون الأحوال المدنية يشترط على الأم أن تُثبت العلاقة لكي تستطع استخراج شهادة ميلاد، فإن قانون الطفل يضمن لها تسجيل المولود حتى في غياب هذا الشرط.
في حالة رفض الأب الاعتراف بالمولود، أو تم الانفصال بين الزوج والزوجة وكان الزواج عُرفيًا، أو حتى في حالات الانجاب بسبب التعدي، فإن قانون الطفد يعطي للأم الحق في الإبلاغ وأن تُقر ثم تستخرج شهادة للمولود أولًا ثم يتم استكمال باقي الإجراءات لاحقًا، هذا ما قاله رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال.
وعن انتشار ظاهرة عدم تسجيل المواليد رغم أن قانون الطفل يضمن للمولود حقه الكامل في تسجيل هويته، يوضح رئيس شبكة حقوق الأطفال، أن السبب هنا هو الروتين وتعنت الموظفين بمكاتب الأحوال المدنية، وعدم تطبيق قانون الطفل، مستطردًا:" الموظفين ماشيين على قديمه، ماشيين بقانون الأحوال المدنية لسه اللي بيشترط على الأم إثبات العلاقة الزوجية".
تسجيل المولود ليس حكرًا على الأب "كلام على ورق"
وفي فبراير 2023 أصدرت المحكمة الإدارية العليا شهادة بعدم الطعن على الحكم السابق من محكمة القضاء الإداري يقرّ بأن حق الأم في استخراج شهادة ميلاد لمولودها لا يسقط بسبب خلافات زوجية أو رفض الأب، تضمن الحكم أنه لا يجوز للزوج أو أهله حرمان الزوجة من هذا الحق أو إهانتها، حتى لو غابت الزوجة عن منزل الزوجية.
وقضت المحكمة وقتها بإلزام جهة السجل المدني بإثبات واقعة ميلاد الطفل وإصدار شهادة ميلاده، رغم امتناع الأب أو إدارة الصحة، معتبرة أن حرمان الطفل من قيد ميلاده يمثل انتهاكًا لحقه الدستوري في الهوية، وأن التسجيل ليس حكرًا على الأب فقط، بل يشارك فيه الزوجان معًا.
المحامي محمد ميزار، المتخصص في الأحوال الشخصية، ذكر أن البعض يستغل فكرة إحضار إخطار حديث من مستشفيات ولادة علي غير الحقيقة بتاريخ لايتجاوز مدة الولادة حتي يتغاضي عن فكرة المضي في مثل تلك الإجراءات وهو أمر يشكل تزوير في عمر الصغير ويستوجب المعاقبه الجنائية.
ويضيف في الفترات السابقة كان يمتنع علي الأم تسجيل الصغير بمفردها لكن حاليًا لا يشترط موافقة الأب لتسجيل ميلاد الصغير في مصر، إذ يحق للأم تسجيل طفلها، خاصة في حالة امتناع الأب، وذلك وفقاً لقانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون 126 لسنة 2008، لضمان حقوق الطفل، كما يمكن للأم اتخاذ إجراءات قانونية لتوثيق المولود.
ورغم أن القانون يقول أن للأم الحق في تسجيل مولودها إلا أن الواقع لا يقول هكذا دائمًا، فتوجهنا إلى 4 وحدات صحية بمحافظتي الجيزة والغربية، لمعرفة مدى امكانية تسجيل الأم لطفلها بمفردها وكانت الإجابات مختلفة ومتناقضة نسبيًا من مكان لآخر، ليطرح ذلك تساؤلًا إلى على ماذا يستند هؤلاء في إجاباتهم؟ هل القانون هو المرجعية أم الأهواء الشخصية؟
بالتوجه إلى أحد مكاتب الصحة لتسجيل المواليد بالغربية، وأخبرناهم أن هناك أم مُطللقة تريد تسجيل مولودها، ذكرت الموظفة أن التسجيل في حالة أن الأم معها قسيمة الزواج والطلاق وشهادة ميلاد الأب واخطار طبيب الولادة، ولابد من أن توقع الأم اقرار على نفسها، وبدون ذلك لن تستطيع.
وفي وحدة صحية آخرى بالمحافظة نفسها _ الغربية_، سألنا منى إسماعيل (اسم مستعار) مديرة الوحدة الصحية، عن امكانية تسجيل الأم ابنها بمفردها، فذكرت أن ذلك يتطلب وجود توكيل من الأب مع الأم وصورتين من بطاقه الأم وصورتين من بطاقة الأب وقسيمة الزواج.
كما توجهنا لـ وحدة صحية تابعة لإحدى قرى محافظة الجيزة، للاستفسار عن مدى امكانية تسجيل المولود "أحمد" الذي رفض والده تسجيله، وكان الرد:" لايمكن تسجيله إلا بحضور الأب أو حد من عصبه".
وقبل نحو عام ونصف، في العام 2024، أنجبت ه. ا،وزوجها خارج مصر، وذهبت لمكتب تسجيل المواليد بأكتوبر في محافظة الجيزة، وهناك رفضوا رفض تام أن تسجله بدون الأب أو أحد من عصبه.
وتقول للوفد:" روحت اسجل ابني تاني يوم ولادتي، رفضوا طالبين العم أو العمة، وقلت أنهم من محافظة يكونوا موجود رفضوا، وأكتر من ساعتين أحاول اقنعهم وقعدت أصوت لأن جرح الولادة القيصرية جديد وبطني تتقطع والجو حر وهما رفضوا رفض تام"، معبرة عن استغرابها الشديد :"ازاي رافضين اسجله وأنا امه اللي ولدته".
وفي محافظة الغربية، حاولت س. م، أن تسجل ابنها بعد الولادة لسفر الأب، ولكن الوحدة الصحية التابعة لها، رفضوا ذلك وطلبوا وجود شخص من عصب الأب "جد أو عم أو عمة" المولود، أو أن يكون معاها توكيل من الأب.
أسباب ظاهرة الساقطون من دفاتر الحكومة
وأبرز أسباب هذه المشكلة التي ينجم عنها عدم قيد الصغير خلال المدة التي حددها القانون خمسة عشر يوما من تاريخ الميلاد هو ما يعرف بساقط قيد، هي ظاهرة زواج القاصرات قبل بلوغ الانثي سن الثامنة عشرة عامًا، وهنا لايملك الزوجين وثيقة زواج رسميه يمكن من خلالها إخطار مكاتب الصحه بواقعة الميلاد وحتي لو تم إخطار مكاتب الصحه بذلك لايمكن تحرير شهادة ميلاد للمولود وكل ما يمكن تقديمه في هذه الحاله هو تلقي التطعيمات حفاظا علي حياة المولود ودرء كل الأخطار عنه، وهذا ما أكده المحامي محمد ميزار، المتخصص في قضايا الأحوال الشخصية.

وما ينطبق على زواج القاصرات ينطبق على الزواج العرفي بصفة عامة لأن هناك قاسم مشترك بينهم وهو عدم توثيق عقد الزواج، كما أن هناك العديد من المحافظات العديد من المحافظات الحدوديه الأعراف والتقاليد القبليه دأبت فترة طويلة علي عدم تسجيل المواليد أو عقود، وفقًا للمحامي محمد ميزار.
هناك العديد من الحالات التي يتم فيها إغفال المدة المحددة قانونًا للإخطار، وهذه الحالات وأن كانت تقتضي إجراءات معقدة إلا أنها في النهاية عمل اجرائي ينتهي بقيد الصغير في سجلات الأحوال المدنية بعد عرضه علي لجنه تقوم بتحديد السن وتحريات شرطية، والمستندات المطلوبة لذلك هي نموذج 26 ساقط قيد (يُشترى من منصة مصر الرقمية أو السجل المدني)، وثيقة زواج الوالدين (أو حكم إثبات نسب)، شهادة ميلاد أحد الأشقاء أو صورة بطاقة الوالدين، محضر شرطة يثبت حالة "ساقط القيد"، وفقًا لـ ميزار.
وانتشار هذه الظاهرة في الأرياف والصعيد تحديدًا يرجع إلى انتشار الأمية وعدم ثقافة ووعي الأهالي، وانتشار زواج القاصرات، ولجوء الكثيرين إلى إتمام الزواج عُرفيًا وليس رسميًا، لعدد من الأسباب، وهو ما يُعيق تسجيل الأطفال الناتجون عن مثل هذه الزيجات، من وجهة نظر الدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع السياسي.
ويؤكد على هذا الكلام أيمن محفوظ، المحامي بالنقض، أن ساقطي القيد ينتجون بسبب امتناع الأهل عن قيد المواليد والوفيات أو من خلال اخطاء حكومية في تغيير أو محو بيانات للضحيه او من العلاقات المشبوهه او الزواج الغير موثق او وفاه اهليه الطفل وهروب الاطفال واختيارهم الشوارع والطرقات ملجا لهم فيما يعرف باطفال الشوارع، وفقًا لمحفوظ.
ومع ذلك، يواجه الكثير من الأفراد في العديد من الدول، بما في ذلك مصر، صعوبة في الحصول على هذه الوثائق، ويتعرضون لمشكلات مثل عدم وجود وثائقهم الثبوتية أو رفض الدولة في تقديم هوية مواطنين لاسباب مختلفه.
مجهول الهوية مشروع إرهابي
ولابد من التفات الدولة إلى ظاهرة عدم تسجيل المواليد، التي تُمثل كارثة كبرى، ووضع حلولًا جذرية للانتهاء منها والقضاء عليها؛ خاصة أنها منتشرة كثيرًا في قرى الصعيد والمناطق النائية، بحسب الدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع السياسي.
وعدم تسجيل المواليد بالإضافة إلى أنه يحرمهم من كامل حقوقهم الصحية والتعليمية والاجتماعية والمهنية والعملية، فهو يؤثر أيضًا على الفرد والمجتمع، لافتة إلى أن حرمان هؤلاء من الحقوق كافة يجعلهم غير منتمين للدولة ويفقدهم الولاء وهو ما قد يجعلهم عُرضة للأعمال الإرهابية، خاصة أن عدد من الجماعات الإرهابية التي نجحت الدولة في القبض عليها كانوا مجهولي الهوية، وفقًا للدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع العسكري.
فـ ساقطو القيد هم ضحايا لخطايا لم يرتكبوها، بل نتاج أخطاء ارتكبها آخرين، وهم من يدفعون الفاتورة، فهذه المشكلة تحديدًا من المشكلات التي تخلق مشاكل أكبر منها، فـ تُفقد المواطن انتمائه لوطنه وتُشعره بأنه شخص غريب في بلده، بل قد يُصبح نواة إجراميه ضد المجتمع
فيتحول الشخص الذي فقد فرصة الحصول على أوراق ثبوتيه له، إلى مشروع إجرامي، حسبما ذكر أيمن محفوظ، المحامي بالنقض.
وبالتالي، فإن توفير الوثائق الثبوتية، نقطة مهمة في تقدم المجتمع وتطويره، وهو يساعد الأفراد على القيام بواجباتهم الوطنيه بشكل أفضل، وتحقيق أهدافهم وطموحاتهم بطريقة ملاءمة وآمنة، ويجب أن تقوم الدولة بتوفير سبل أسهل للحصول على هذه الوثائق، دون وضع أي عراقيل تحول دون الحصول الفرد على حقوقه، وفقًا لمحفوظ.
الحل من أجل الحق في الحياة
والقانون رغم أنه أوجب علي الدولة تقديم الأوراق الثبوتيه فإن العقوبات الناشئة عن التخلف عن الإدلاء ببيانات الوفاة والميلاد جعل لها عقوبات هزليه لا تتوافق مع حجم المشكلة التي قد تكون مشكله لأكثر من 10 ملايين من المواطنين على مستوى الجمهورية، وفقًا
أيمن محفوظ.
وعلى الرغم أن الدولة والمنظمات المدنية والصحافة والإعلام يحاولون بكل جهد التخلص من تلك المشكله، ولكن يبقى هناك دور مهم للبرلمان، وفقًا لما يراه أيمن محفوظ، فرغم وجود محاولات لإنشاء قانون جديد للأحوال المدنية يحاول حل تلك المشكلة، إلا أنها ما زالت محاولات لم ترى طريقها للنور حتى وقتنا الحالي، والحل يكمن في قانون جديد للأحوال المدنية وحتى يتحول الحلم حقيقة، ما علينا سوى مواجهة تلك المشكلة ومحاوله حلها حتى لا يكون في مصر ساقط قيد واحد.

فحل هذه المشكلة يكمن في تحرك الدولة بشكل عاجل، من خلال قوافل قانونية تجوب جميع القرى بالأرياف والصعيد والمناطق النائية، وتقوم بتسجيل مجهولي الهوية وساقطي القيد وإصدار شهادات ميلاد تمكنهم من ممارسة حياتهم بشكل آمن وصحيح، وفقًا للخبيرة باليونسيف، الدكتورة هدى زكريا.
رئيس شبكة الدفاع عن اللاطفال، يضع حلًا لهذه الظاهرة يتمثل في ضرورة وضع خطط عاجلة تضمن تطبيق قانون الطفل، خاصة أن الموظفين يطبقون قانون الأحوال المدنية ولا ينتبهون لقانون الطفل، قائلًا:" لما حد بيروح يسجل طفل بيكون السؤال معاك ما يُثبت سجل ممعكش يبقى اتفضل".
وفي المحصلة يظل "ساقطو القيد" عالقين في مساحة رمادية بين الوجود والغياب، فـ رغم وجود نصوص قانون تُقر بحق كل مولود في التسجيل وامتلاك أوراق ثبوتية إلا أن هناك واقعٍ قاسٍ يضع عراقيل وصعوبات أمام هذا الحق، ليطرح ذلك سؤالًا مفتوحًا: كيف يُمكن لمواطن أن يبدأ حياته دون اعتراف رسمي بوجوده من الأساس؟
وفي النهاية، فإن “ساقطو القيد” ليسوا مجرد أرقامٍ، فإنهم يعيشون حياة غير كاملة معلقة تحتاج إلى اعتراف رسمي بوجودهم، وأن هذا الحق هو حق في الحياة نفسها.