بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

هدي السلف الصالح في العشر الأوائل من ذي الحجة

بوابة الوفد الإلكترونية

من المقرر شرعًا إن من فضل الله -تعالى- على عباده أن جعل لهم مواسم للطاعات، تُستكثر فيها الحسنات، وتُكفر فيها السيئات، ومن أعظم هذه المواسم وأكثرها بركة العشر الأوائل من شهر ذي الحجة. هذه الأيام التي شهد النبي -ﷺ- بأنها أفضل أيام الدنيا، وكان للسلف الصالح -من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان- حال فريد وشأن عظيم في تعظيمها واستثمارها بالعبادة والعمل الصالح.

عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا

لقد جاءت الآيات القرآنية تبيانا لمكانة هذه الأيام، وهي الأصل الذي انطلق منه السلف الصالح في تعظيمهم لها: قال الله تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: ١-٢].

وقد ذهب جماهير المفسرين من الصحابة والتابعين إلى أن الليالي العشر هي عشر ذي الحجة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هي عشر ذي الحجة".

وقد سماها الله في كتابه بالأيام المعلومات قال تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} [الحج: ٢٨]، ونقل البخاري عن ابن عباس أن الأيام المعلومات هي أيام العشر.

وجاء بيان قدرها في السنة النبوية المطهرة مؤكدا في أحاديث كثيرة، منها:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ» -يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ- قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» [رواه البخاري].

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -ﷺ: «ما مِن أَيَّامٍ أَعظَمُ عِندَ اللهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيهِ العَمَلُ فِيهِنَّ مِن هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ» [رواه أحمد].

وعن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنَّ النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «أفضلُ أيامِ الدنيا أيامُ العشْرِ» [أخرجه البزار].

وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أنَّ النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «أفضلُ أيّامِ الدُّنيا العشرُ -يعني عشرَ ذي الحجَّةِ- قيل ولا مثلُهنَّ في سبيلِ اللهِ، قال ولا مثلُهنَّ في سبيلِ اللهِ، إلّا رجلٌ عفَّر وجهَه بالتُّرابِ» [الترغيب والترهيب].

 

إجلال السلف الصالح للعشر الأول من ذي الحجة

كان التابعي الجليل سعيد بن جبير (وهو الذي روى حديث ابن عباس في فضل العشر) إذا دخلت عشر ذي الحجة اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يقدر عليه.

وكان يقول: "لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر" تُعجبُه العبادة فيها، وهذا كناية عن القيام والعبادة، ويقول: "أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة" [لطائف المعارف].

وقال سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن كعب قال: "اختار الله الزمان، فأحبُّ الزمان إلى الله الشهر الحرام، وأحبُّ الأشهر الحُرُمِ إلى الله ذو الحجة، وأحبُّ ذي الحجة إلى الله العشر الأول" [لطائف المعارف].


صور مشرقة من أعمال السلف في العشر

كان السلف الصالح يترجمون الفضائل النظرية إلى واقع عملي ملموس، فلم تكن هذه الأيام تمر عليهم كأيام السنة العادية، بل كانوا يُشمِّرون فيها عن سواعدهم ويرفعون حالة التَّعَبُّد إلى أقصى درجاتها، ويُحْيُون فيها السُّنَنَ التي نبَّه عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وتنوعت فيها صور طاعتهم لخالقهم لتشمل كل أبواب الخير ، ومن أبرزها:

(أ) إحياء سنة التكبير والذكر في الأسواق:

كان السلف يجهرون بالتكبير في البيوف والطرقات والأسواق، ليعم تعظيم الله في كل مكان، فكان هذا هو حال عبد الله بن عمر وأبي هريرة –رضي الله عنهما- فقد خرَّج الإمام البخاري في صحيحه معلقًا: "وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما".

ولم يكن تكبيرهم تكبيرًا جماعيًا مُنْضَمًّا، بل كان كل واحد يكبر بمفرده، فيتذكر الناس التكبير فيكبر كل واحد لنفسه، حتى ترتجّ السوق بأصوات التكبير.

وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يُكبّر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرًا.

(ب) الصيام والمداومة عليه:

كان الصيام من أحب الأعمال إليهم في هذه الأيام، وذلك لأنَّ الصيام داخل في جملة العمل الصالح، بل من أفضل الأعمال الصالحة والنوافل التي يُتَقَرَّب بها إلى رب العالمين؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم، «من صامَ يومًا في سبيلِ اللَّهِ فريضةً؛ باعدَ اللَّهُ منهُ جهنَّمَ كما بينَ السَّماواتِ والأرضِ، ومن صامَ يومًا تطوُّعًا؛ باعدَ اللَّهُ منهُ جهنَّمَ مسيرةَ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ» [مجمع الزوائد للهيثمي، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير].

فكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يصوم العشر كلها، وكان الحسن البصري وابن سيرين وقتادة يفرغون أنفسهم للصيام في هذه الأيام، ويرون أن صيام يوم منها يعدل صيام شهر أو أكثر في الفضل.

(ج) قيام الليل:

كانوا يُحْيُون ليالي العشر بالصلاة، مستشعرين أن ليالي العشر لها المنزلة العظيمة التي من أجلها أقسم الله –تعالى- بها فقال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: ١-٢]. ، والجمع بين قيام الليل وصيام النهار هو غاية المجاهدة، وقد مرَّ بنا قول التابعي الجليل سعيدبن جبير "لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر".

(د) الصدقة:

كان بعض السلف يخص هذه الأيام بصدقات يومية متتابعة، اقتداءً بالحديث الشريف «العمل الصالح فيها أحب إلى الله»، وكان أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- يُعَظِّم هذه الأيام تعظيمًا شديدًا، ويرى أن الصدقة والعمل الصالح فيها له مزية كبرى. وروي عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يضاعفون نفقاتهم وصدقاتهم في هذه العشر. [فتح الباري].

(ه) قراءة القرآن:

كان أبو عوانة اليشكري -واسمه (الوضاح بن عبد الله)- كان من شدة تعظيمه للعشر واجتهاده في القرآن، أنه يختم القرآن في كل ثلاث ليالٍ من العشر.

(و) حفظ الجوارح:

كان بعض التابعين إذا دخلت العشر لا يُرى إلا مصلّيًا أو ذاكرًا أو كافًّا لسانه إلا عن خير، وكانوا يتواصون بحفظ الجوارح، خاصة السمع والبصر واللسان؛ تهيئةً ليوم عرفة مستحضرين قول النبي ﷺ في يوم عرفة: «يومٌ مَن مَلَكَ فيه سَمْعَه وبَصَرَه ولِسانَه غُفِرَ له» [رواه أحمد].