بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الزاد

أفضل نسخة من الإنسان.. متى و كيف ؟

فى كل مكان حولنا، هناك أناس لا تنقصهم الموهبة ولا القدرة، لكن تنقصهم فقط اليد التى تعرف كيف تخرج أجمل ما بداخلهم.
فالإنسان ليس ماكينة تعمل بالأوامر، بل روح تُزهر بالثقة، وتخبو بالتجاهل، وبين مدير يمنحك الإحساس بقيمتك، وآخر يطفئ داخلك الشغف، قد يتحدد مصير لاعب أو موظف أو فنان وربما حياة كاملة.
فى عالم كرة القدم، كما فى المؤسسات و الشركات و غرف الأخبار و مواقع التصوير، لا تُصنع النجاحات بالخطط وحدها، ولا بالأوامر والتعليمات فقط، بل تُصنع أولًا بالإنسان.
فالمدير الناجح ليس من يملك الصوت الأعلى، بل من يعرف كيف يخرج أفضل ما داخل من يعمل معه، نفسيًا قبل أن يكون فنيًا أو مهنيًا.
جزء كبير من شخصية أى مدير فنى أو قائد فى أى مجال، أن يدرك أن البشر ليسوا آلات. اللاعب، والعامل، والصحفى، والفنان، والموظف، جميعهم يحتاجون إلى من يمنحهم الثقة، ويشعرهم بقيمتهم، ويهيئهم نفسيًا قبل أن يطالبهم بالعطاء الكامل.
منذ ساعات أعلنت القائمة المشاركة فى كأس العالم، وشهدت القائمة غياب بعض اللاعبين ، أحدهم كان أهم العناصر المؤثرة داخل الفريق، بل ومن أبرز الأوراق الهجومية التى صنعت الفارق، فى فترة المدير الفنى الاسبق كيروش،  لكن فى السنة الاخيرة ، تراجع دوره تدريجيًا، وأصبح حضوره يقتصر على دقائق قليلة فى نهاية المباريات،و وصف بربع محترف،  حتى انتهت الرحلة بالاستبعاد الكامل.
القضية هنا ليست فى حق المدرب فى الاختيار، فهذا أمر طبيعى ومن صميم عمله، لكن السؤال الأهم:
هل حصل هذا اللاعب على الدعم النفسى الكافى ليستعيد أفضل نسخة من نفسه؟
وهل أدرك من يقود الفريق أن الثقة أحيانا تصنع لاعبًا جديدًا، بينما التجاهل قد يهدم موهبة كاملة؟

المخرج السينمائى أو الدرامى لا يحصل على أفضل نسخة من الممثل بالصوت العالى أو التهديد أو إشعاره الدائم بالتقصير، بل حين يمنحه الإحساس بأنه قادر ومهم، وحين يقول له بعد مشهد متعب: "أحسنت". هذه الكلمة البسيطة قد تفتح داخل الفنان طاقة جديدة لم يكن يعلم بوجودها. الممثل مثل أى إنسان يحتاج إلى من يرى مجهوده قبل أن يحاسبه على أخطائه، ويحتاج إلى من يمنحه الثقة حتى يستطيع أن يخرج ما بداخله من إحساس وصدق وإبداع.
الأمر نفسه ينطبق على الصحفى. متى تحصل من الصحفى على أفضل تقرير أو تحقيق؟ حين يشعر أن هناك من يقدّر مجهوده، حتى لو لم يكن العمل كاملًا أو جاء بنسبة خمسين بالمئة فقط مما كان متوقعًا. الدعم النفسى هنا لا يعنى المجاملة أو تزييف الحقيقة، لكنه يعنى أن تمنح الإنسان دفعة تجعله يريد أن يصبح أفضل فى المرة القادمة. النقد وحده يصنع الخوف والتردد، أما التقدير فيصنع الشغف والرغبة فى التطور.
ولا يختلف لاعب الكرة عن ذلك. اللاعب الذى يشعر بثقة مدربه يبذل مجهودًا مضاعفًا داخل الملعب، ويقاتل حتى آخر دقيقة لأنه يشعر أن هناك من يؤمن به. بينما اللاعب الذى يعيش تحت الضغط الدائم أو التهميش يفقد شيئًا فشيئًا روحه وحماسه، حتى لو كان يملك موهبة كبيرة.
وكذلك الموظف فى أى مؤسسة. كلمة صغيرة مثل "أحسنت" قد تغيّر يومه بالكامل، وقد تجعله يعمل بطاقة أكبر وإخلاص أكثر. الإنسان بطبيعته يبحث عن التقدير، ويحتاج إلى من يشعره بأن مجهوده له قيمة.
لهذا تبقى الكلمة الطيبة والدعم النفسى أحد أهم أسرار النجاح فى كل المجالات، لأن أفضل ما فى البشر لا يخرج بالقسوة، بل بالثقة والاحتواء والتقدير.
المشكلة الحقيقية لدينا ليست فى نقص المواهب، بل فى طريقة التعامل مع البشر. كثير من المديرين فى مصر يتعاملون مع الإنسان باعتباره أداة تنفيذ فقط، وينسون أن الحالة النفسية هى الوقود الحقيقى للإبداع والعطاء.
كم من موظف فقد شغفه بسبب مدير لا يعرف سوى النقد؟
وكم من لاعب تراجع لأنه شعر بأنه خارج الحسابات؟
وكم من فنان اختفت روحه لأن أحدهم لم يمنحه التقدير الإنسانى الذى يستحقه؟
فى الخارج لم يعد "الإعداد النفسى" رفاهية أو أمرًا ثانويًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من أى منظومة ناجحة. أكبر الأندية والشركات والمؤسسات تستعين بمتخصصين نفسيين، لأنهم أدركوا أن الإنسان حين يشعر بالأمان والثقة والاحترام، يمنحك أقصى ما لديه دون أن تطلب منه ذلك.
الحياة نفسها تقوم على هذه الفكرة البسيطة:
خذ من الإنسان أفضل ما فيه عبر المعاملة الجيدة، لا عبر الضغط المستمر والتهميش والتجاهل.
قد تنجح أحيانًا بالقوة، لكنك لن تصنع استمرارية حقيقية إلا حين تربح الإنسان نفسه.
فالقيادة ليست سلطة فقط، بل فن صناعة الروح قبل صناعة الإنجاز.
النجاح الحقيقى لا يصنعه من يجيد إصدار التعليمات فقط، بل من يعرف كيف يبنى الإنسان نفسيًا قبل أن يطالبه بالإنجاز.
فكم من موهبة أختفت بسبب التجاهل، وكم من شخص عادى تحول إلى استثنائى فقط لأنه وجد من يؤمن به.
لهذا ستبقى أعظم الإدارات، وأكبر الفرق، وأنجح المؤسسات، هى التى تفهم أن الطريق إلى الإنجاز يبدأ دائمًا من النفس البشرية.