بناءً على توجيهات السيد الضمير ؛؛؛ لا ننتظر دائما ً توجيهات السيد الرئيس
أصبحت عبارة:
“بناءً على توجيهات السيد الرئيس”
واحدة من أكثر الجمل حضورا ً في الخطاب الرسمي والإعلامي.
نسمعها عند حل أزمة، أو تطوير منطقة، أو الاستجابة لشكوى مواطن، أو التحرك السريع لمعالجة مشكلة ظلت قائمة لفترة طويلة.
وفي كثير من الأحيان، يشعر الناس بالارتياح لأن هناك قيادة تتابع التفاصيل وتهتم بما يحدث على الأرض .. لكن خلف هذا المشهد، يبقى سؤال مهم يستحق التأمل:
إذا كان ما يتم الحديث عنه يدخل بالفعل ضمن الواجب الطبيعي للمسئول ؛ .. فلماذا لم يتحرك من البداية؟
ولماذا ننتظر أحيانا ً تدخلا ً من أعلى سلطة في الدولة لتنفيذ ما يُفترض أنه جزء أصيل من مهام بعض الجهات والمسئولين؟
فالدول لا تُدار فقط من القمة،
ولا يمكن لأي قيادة — مهما بلغت كفاءتها — أن تتحمل وحدها عبء متابعة كل الملفات اليومية والتفاصيل الصغيرة.
ولهذا وُجدت المؤسسات،
ووُزعت الاختصاصات، ووُضع كل مسئول في موقع يفترض أنه قادر على اتخاذ القرار والتحرك في الوقت المناسب.
لكن الأزمة تبدأ حين تتحول بعض مواقع المسئولية إلى مجرد مواقع انتظار التوجيه،
وانتظار الإشارة، وانتظار من يتحمل القرار بدلا ً عن صاحب القرار نفسه.
وهنا لا تكون المشكلة مجرد بطء إداري، بل غياب لثقافة المبادرة والضمير المهني.
فالوظيفة العامة ليست مجرد مكتب أو لقب، والمسئولية ليست مجرد ظهور إعلامي أو توقيع على الأوراق، بل إحساس دائم بأن هناك مواطنين تتأثر حياتهم بكل قرار، وأن التأخير أحيانا ً قد يصنع أزمة، وأن التغاضي عن الخطأ قد يحوله إلى كارثة.
المسئول الحقيقي لا ينتظر دائما ً من يطلب منه أداء واجبه، بل يتحرك لأنه يدرك أن موقعه أمانة، وأن جزءا ً من كفاءته يقاس بقدرته على التوقع والمبادرة وسرعة الاستجابة.
فالفرق كبير بين من يعمل لأنه تلقّى أمرا ً، ومن يعمل لأن ضميره المهني لا يسمح له بالتقصير.
ومن أخطر ما قد يصيب أي مؤسسة، أن يتحول أداء الواجب الطبيعي إلى ما يشبه “الإنجاز الاستثنائي”، وأن يصبح حل المشكلات مرهونا ً دائما ً بتدخل من أعلى، فيختفي دور المستويات التنفيذية تدريجيا ً،
وتتراجع القدرة على اتخاذ القرار، ويتحول بعض المسئولين إلى مجرد ناقلين للتعليمات لا شركاء في الإدارة.
وفي الحقيقة؛ إن احترام القيادة لا يتعارض أبدا ً مع تفعيل دور الضمير والكفاءة والمبادرة، بل إن القيادة الناجحة تحتاج دائما ً إلى مسئولين يُخففون عنها العبء،
لا أن يضيفوا إليها كل صغيرة وكبيرة كان يمكن حلها من مواقعهم.
كما أن المواطن لا يشعر بالثقة فقط حين يسمع عن توجيه عاجل؛ بل حين يطمئن إلى أن مؤسسات الدولة تعمل بكفاءة حتى دون الحاجة إلى تدخل استثنائي في كل مرة.
فالمجتمعات القوية لا تُبنى بالخوف وحده، ولا بكثرة التعليمات؛ بل ببناء إنسان يعرف واجبه قبل أن يُطلب منه،
ويتحرك بدافع الضمير قبل ضغط الرقابة.
لأن الضمير الحي لا ينتظر أمرا ً ليفعل ما يعرف مسبقا ً أنه الصواب.