بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

ضميرمستتر

الشرق الأوسط.. صراع يصنع الاستقرار!.. (6/7)

حاولنا فى الحلقات السابقة تفكيك فكرة إنتاج التهديد، وآليات إدارة التوتر، وفكرة مثبت النظام، وحدود بناء “قواعد اللعبة”..

لنصل الان إلى سؤال قد يبدو بسيطًا لكنه بالغ التعقيد :
هل يمكن للشرق الأوسط أن يُنتج نظامه الإقليمى من داخله؟
أم أن استقراره ـ بحكم طبيعته ـ يظل رهين مظلة خارجية تضبط إيقاعه؟

أولًا: ماذا يعنى “نظام إقليمى من الداخل”؟
ـ لا أقصد استقلالًا كاملًا عن العالم، فذلك تصور غير واقعى، بل أقصد أن تكون قواعد التوازن، وآليات إدارة الصراع، نابعة أساسًا من تفاعلات الإقليم نفسه، أى من داخله، لا مفروضة عليه من خارجه.
أى أن تمتلك قوى الإقليم القدرة على تنظيم خلافاتها
وتحديد خطوطها الحمراء، وإدارة صراعاتها بنفسها دون حاجة دائمة إلى طرف خارجى يملك مفاتيح الضغط والضبط.

ثانيًا: لماذا يبدو هذا الخيار صعبًا، وربما مستحيلًا، فى تقديرى؟
ـ ببساطة، لأن كل ما سبق تحليله فى هذه السلسلة يقود إلى نتيجة واحدة، أيضًا حسب تقديرى:
أن الإقليم، فى وضعه الحالى، لا يمتلك الأدوات الكافية لإنتاج استقرار مكتمل من داخله.

فغياب الثقة المتراكم، وخصوصية نظم الحكم، وتداخل الملفات الأمنية، وتشابك المصالح مع القوى الكبرى، والتركيبة السكانية والقبلية العابرة للحدود، وسيولة القواعد الحاكمة للتفاعل السياسى والاستراتيجى… كلها عوامل تجعل أى محاولة لبناء نظام ذاتى عرضة للاهتزاز عند أول اختبار حقيقى، كما سبق وانهارت اكثر من تجربة، منها: 
ـ الاتحاد العربي الهاشمى 14 فبراير ـ 14 يوليو 1958
ـ الجمهورية العربية المتحدة، او الوحدة بين مصر وسوريا 22 فبراير 1958 ـ 28 سبتمبر 1961
ـ اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وسوريا من الشرق الأوسط، وليبيا، 1 سبتمبر1971 ـ 19 نوفمبر 1977
ـ اتفاقية التكامل بين مصر والسودان 14 أكتوبر 1982 المجمدة بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك
ـ مجلس التعاون العربى بين العراق والأردن واليمن الشمالى ومصر ، 16 فبراير 1989 ـ اغسطس 1990 بعد غزو العراق للكويت.

فشلت جميعها نتيجة تركيب معقد من السياسة والاقتصاد وبنية الدولة ونظم الحكم وصراع الزعامات والبيئة القبلية والدولية، وهو ما يمكن تلخيصه فى أن الحماس القومى سبق بناء المؤسسات، وأن دمج الدول، أو نظم الحكم، سبق دمج مصالحها المشتركة كما فعل ونجح الاتحاد الأوروبى.

وربما نحاول مستقبلا الاقتراب من اجابة السؤال:
لماذا فشلت كل مشاريع الوحدة العربية التى شاركت فيها مصر؟

ثالثًا: لكن، لماذا لا يُترَك الإقليم ليجرب ذلك؟
ـ ببساطة. لأن النظام الدولى لا يتعامل مع الشرق الأوسط كمساحة جغرافية فقط، بل كعقدة مصالح حيوية، تتصل بالطاقة، والممرات الاستراتيجية، وتوازنات القوى الكبرى.
ومن ثم، فإن استقرارًا إقليميًا كاملاً ومستقلًا، لن يكون ـ فى تقديرى ـ متوافقًا مع مصالح هذا النظام الدولى، لذلك يحرص دائمًا على وجود، او خلق، حالة توتر، أو تهديد، يمكنه التحكم فى مستواها، تسمح له بإدارة الأقليم، ولا تسمح باستقرار مكتمل يخرج عن نطاق السيطرة.

رابعًا: إذًا، ما النموذج الواقعى؟
ـ فى تقديرى، وطالما بقى النفط عنصرًا حاكمًا فى حسابات القوى الكبرى، فالأقرب للواقع ليس استقلالًا إقليميًا كاملًا، ولا هيمنة خارجية مباشرة، بل "نمط هجين" يقوم على توازن داخلى يُرسم سقفه من الخارج.
أى أن السؤال سيكون ليس من يسيطر، بل كيف تُوزع السيطرة، ضمن منظومة يتداخل فيها العامل الداخلى مع الخارجى، دون أن ينفصل أحدهما عن الآخر.

الشاهد..
ـ الشرق الأوسط لا يُترك ليصنع استقراره بالكامل،
ولا يُدار بالكامل من الخارج، بل يُترك له أن يتحرك… داخل حدود لا يرسمها وحده.

ـ وعند هذه النقطة، نصل إلى السؤال الأخير فى هذه السلسلة:
إذا كان هذا هو نمط إدارة الإقليم، فهل يمكن كسره أصلًا؟
أم أننا أمام بنية تعيد إنتاج نفسها مهما تغيرت أطرافها؟
هذا ما سنحاول الاقتراب منه فى الحلقة السابعة والأخيرة، مع من راقت له المتابعة، فشرفنا بالقراءة، إن أراد الله تعالى وكان فى العمر بقية.
ولك يا مصر السلامة، وسلامًا يا بلادى.