اﻟﺮﺋﻴﺲ اﻷﻣﺮيكي ﻳﻔﺘﺢ ﻣﻠﻒ ﻛﻮﺑﺎ ﺑـ"اﻟﻨﺎر"
لائحة اتهام راؤول كاسترو تثير شبح الغزو وتعيد سيناريو مادورو
فجرت لائحة الاتهام الأمريكية ضد الزعيم الكوبى السابق راؤول كاسترو عاصفة من التكهنات داخل واشنطن وخارجها بعدما اعتبر محللون وخبراء أن الخطوة قد تكون تمهيدا لتحرك عسكرى أو أمنى مشابه للعملية التى أسقطت الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو فى وقت سابق من العام الحالى.
وبحسب تقرير مطول نشرته مجلة نيوزويك، فإن قرار إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب توجيه اتهامات جنائية إلى كاسترو لا ينفصل عن استراتيجية متصاعدة اعتمدها البيت الأبيض ضد خصومه التقليديين فى أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وعلى رأسهم فنزويلا وإيران وكوبا. وكان مادورو قد اعتقل فى يناير الماضى خلال عملية وصفت بالجريئة نفذتها قوات دلتا الأمريكية داخل فنزويلا، وأسفرت عن مقتل عشرات العناصر الكوبية المكلفة بحمايته قبل نقله إلى نيويورك لمحاكمته بتهم تتعلق بما وصفته واشنطن بـ «الإرهاب المرتبط بالمخدرات» وهى الاتهامات التى تعود جذورها إلى الولاية الاولى لترامب عام 2020.
وجاء كشف لائحة الاتهام فى توقيت شديد الحساسية مع تصاعد التوتر بين واشنطن وهافانا بعد أسابيع فقط من اختطاف مادورو الحليف الرئيسى لكوبا فى مجال الطاقة وفرض إدارة ترامب حصارًا نفطيًا فعليًا على الجزيرة مع التلميح باحتمال دعم انقلاب عسكرى إذا لم ترضخ الحكومة الكوبية لشروط واشنطن.
وقال كريستوفر ساباتينى الباحث البارز فى شئون أمريكا اللاتينية بمركز تشاتام هاوس إن إدارة ترامب استخدمت النهج نفسه مع إيران وفنزويلا وكوبا عبر تصعيد التهديدات العسكرية والخطاب السياسى، ونشر الأصول العسكرية ومحاولة دفع شخصيات داخل الأنظمة الحاكمة نحو الانشقاق. وأوضح أن هذه الاستراتيجية لم تكن قائمة على تفاوض حقيقى بقدر ما كانت محاولة لرفع مستوى الضغط والتوتر إلى الحد الذى يؤدى إلى انهيار النظام أو استسلامه دون حرب شاملة.
لكن ساباتينى أشار الى أن كوبا مثل إيران وفنزويلا ظلت متمسكة بموقفها إذ أبدت استعدادها للحوار مع رفض أى تدخل أمريكى فى شكل النظام السياسى أو طبيعة الحكم داخل البلاد. وقبل ساعات من إعلان الاتهامات ظهر وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو فى خطاب مصور باللغة الإسبانية وجهه مباشرة الى الشعب الكوبى، وحمل فيه القيادة الشيوعية مسئولية الانهيار الاقتصادى الذى تعيشه الجزيرة ووعد بعلاقة جديدة مع كوبا.
ورغم التصعيد السياسى حاول ترامب التقليل من احتمالات التحرك العسكرى الفورى قائلًا للصحفيين فى البيت الأبيض إنه لا يتوقع تصعيدا ضد كوبا فى الوقت الحالى. مضيفًا أن البلاد تنهار من الداخل وأن الحكومة فقدت السيطرة بالكامل على الأوضاع. كما أن ضعف القدرات العسكرية الكوبية مقارنة بإيران يفتح الباب نظريًا أمام غزو شامل للجزيرة رغم ان مثل هذه العملية ستكون مكلفة للغاية، وقد تواجه مقاومة طويلة عبر تكتيكات حرب العصابات التى تعتمدها العقيدة العسكرية الكوبية المعروفة باسم «حرب جميع الشعوب». ورغم ذلك أكد التقرير أن معظم الموارد العسكرية الأمريكية ما زالت منشغلة فى الشرق الأوسط ما يجعل فتح جبهة جديدة ضد كوبا قرارًا معقدًا سياسيًا وعسكريًا.
وفى المقابل تعرضت استراتيجية ترامب القائمة على استخدام لوائح الاتهام الجنائية لتبرير التحركات العسكرية الى انتقادات قانونية حادة. وقالت تيس بريدجمان المحررة المشاركة فى موقع «جست سيكيورتى» والمسئولة القانونية السابقة فى البيت الأبيض إن العمليات الأمريكية فى فنزويلا وأى تحرك مشابه ضد كوبا تمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولى الذى يمنع استخدام القوة ضد الدول إلا فى حالات الدفاع عن النفس او بقرار من مجلس الأمن. وأكدت أن كوبا لم تهاجم الولايات المتحدة ولا تمثل تهديدًا وشيكًا، وبالتالى لا تملك واشنطن اى مبرر قانونى لغزو الجزيرة او اعتقال قادتها بالقوة.
كما شددت على أن الرئيس الأمريكى لا يملك دستوريًا صلاحية شن حروب دون موافقة الكونجرس معتبرة أن العمليات ضد إيران وفنزويلا تمثل خرقًا واضحًا للدستور الأمريكى.
بدوره قال بنجامين جيدان مدير برنامج أمريكا اللاتينية فى مركز ستيمسون والمسئول السابق فى مجلس الأمن القومى ووزارة الخارجية إن قوات دلتا ليست مجموعة لصيد المطلوبين وإن لوائح الاتهام لا تمنح ترامب صلاحية غزو كوبا، لكنه أشار فى الوقت نفسه الى أن ذلك لم يمنع الرئيس الأمريكى من إرسال قواته سابقًا إلى كاراكاس لاعتقال مادورو.
ورغم تصاعد رحلات الاستطلاع الأمريكية فوق الجزيرة يرى بعض الخبراء أن لائحة الاتهام قد تكون حتى الآن مجرد أداة ضغط سياسى وليست مقدمة لغزو وشيك.
وقال بنجامين جيدان إن تقاعد راؤول كاسترو أصبح أقل راحة بعد الاتهامات، لكن ذلك لا يعنى ان واشنطن تستعد فورًا لغزو كوبا، مشيرًا إلى أن ترامب غارق حاليًا فى ازمات الشرق الأوسط، كما أن قاعدته الشعبية ليست متحمسة لمغامرات عسكرية جديدة.
أما ريتشارد فاينبرج أستاذ الاقتصاد السياسى الدولى فى جامعة كاليفورنيا فاعتبر أن مقارنة كوبا بفنزويلا مضللة تمامًا، لأن النظام الكوبى لا يقوم على شخص واحد بل على الحزب الشيوعى والأجهزة العسكرية والأمنية المرتبطة به. وختم بالقول إن لائحة الاتهام تبدو موجهة بالدرجة الأولى الى الجالية الكوبية المعارضة فى الولايات المتحدة التى تطالب منذ أكثر من ستين عامًا بالانتقام من عائلة كاسترو.