بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

وقت ذبح هدي التمتع والقِران في الشرع

بوابة الوفد الإلكترونية

يعد الحج مِن شعائر الله تعالى المعظَّمَة، وهو عبادة مشتملة على أنواع مِن المناسك والقربات، متنوعة في مقاديرها وصفاتها وطرق أدائها، ومِن هذه المناسك والقربات: إراقة دم الهدي لمَن جمع بينه وبين العمرة متمتعًا أو قارنًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196].

وقت ذبح هدي التمتع والقِران

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ" متفق عليه.

وعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: "صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ" أخرجه مسلم في "الصحيح".

ذبح هدايا التمتع والقران في أيام النحر

يُستحب ذبح هدايا التمتع والقران في أيام النحر؛ خروجًا من خلاف الفقهاء، ولا مانع شرعًا من الأخذ بأن وقت الذبح يبدأ من حين إحرام الحاج بالنسك وأنه لا حدَّ لآخره، ومع ذلك: إذا شَرعت المؤسساتُ المعنيةُ الموكَّلةُ عن الحجاج في ذبح الهدايا؛ فإن استمرار الذبح المتتابع دون انقطاعٍ ولو بعد انتهاء أيام النحر: هو أمرٌ جائزٌ شرعًا ولا حرج فيه، والذبح المستمر بعد أيام النحر في هذه الحالة يقع أداءً لا قضاءً.


الفرق بين حج التمتع والقران

محل التفرقة بين التمتع والقران: هو وقت الإحرام بالحج فيهما؛ فالقران هو: أن يجمع بين الحج والعمرة في نية الإحرام بهما، أو أن يُحْرِم بالعمرة ثم يُدْخِل عليها الحج قبل الطواف، والتمتع هو: أن يُهِلَّ بعمرة مفردة مِن الميقات في أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج مِن عامه؛ كما في "المغني" للإمام ابن قدامة (3/ 260، ط. مكتبة القاهرة).

ما يجب على من اعتمر ثم حج في أشهر الحج

قد أجمع الفقهاء على أنَّ مَن أَهَلَّ بعمرةٍ وحجٍّ في أشهر الحج مِن غير أهل مكة مِن عامِهِ؛ فإنَّ عليه الهدي إنْ وجده، وإلا فالصيام.

قال الإمام ابن المنذر في "الإجماع" (ص: 70، ط. دار الآثار): [وأجمعوا على أنَّ مَن أَهَلَّ بعمرةٍ في أشهر الحج مِن أهل الآفاق، وقدِم مكة ففَرَغَ منها، فأقام بِها، فَحَجَّ مِن عامِهِ: أنه متمتِّعٌ، وعليه الْهَديُ إذا وجد، وإلا فالصيام] اهـ.

وقت ذبح الهدي في حج التمتع والقران

اختلف الفقهاء في وقت ذبح هدي التمتع والقران: فذهب جمهور الفقهاء؛ من الحنفية، والمالكية، والحنابلة في المعتمد، إلى أن وقت ذبح الهَدْي يكون في أيام النحر؛ وهي ثلاثة: العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر مِن شهر ذي الحجة.

قال العلامة الشرنبلالي الحنفي في "غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام" (1/ 262، ط. دار إحياء الكتب العربية) عن هدي التمتع والقران: [(قوله: ويذبح الأخيرين يوم النحر) أراد باليوم: زمان النحر؛ وهو الأيام الثلاثة. (قوله: أي يتعين يوم النحر لذبحهما) أي: فلا يجزئه لو ذبح قبل أيام النحر بالإجماع، وإن أَخَّرَه: أجزأه، إلا أنه تاركٌ للواجب عند أبي حنيفة، وللسنة عندهما؛ فيلزمه دم عنده، لا عندهما؛ كما في "الفتح"] اهـ. والمقصود بالإجماع هنا: إجماع فقهاء الحنفية.

وقال جمال الدين ابن الحاجب المالكي في "جامع الأمهات" (ص: 217، ط. اليمامة): [ولا يجزئ نحر هديٍ إلا نهارًا بعد الفجر في أيام النحر بمنًى ولو قَبْل الإمام وقَبْل الشمس] اهـ.
وقال العلامة الخرشي المالكي في "شرحه لمختصر سيدي خليل" (2/ 380، ط. دار الفكر): [أيام منًى؛ وهي: يوم النحر واليومان بعده] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (3/ 384): [ووقت نحر الأضحية والهدي: ثلاثة أيام: يوم النحر، ويومان بعده؛ نص عليه أحمد وقال: هو عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه الأثرم عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم] اهـ.

وذهب الحنابلة في قول: إلى أنه يختص بيوم النحر؛ وهو: اليوم العاشر، إضافةً إلى أيام التشريق الثلاثة؛ وهي: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر مِن شهر ذي الحجة، وهو ما نَصَّ عليه الإمام أبو الفرج الشيرازي [ت: 486هـ]، وجزم به الإمام ابن رزين [ت: 556هـ]، واختاره الإمام ابن عبدوس [ت: 559هـ]، والشيخ ابن تيمية.

قال علاء الدين المرداوي في "الإنصاف" (4/ 86) في بيانِ آخرِ وقتِ ذبح الهدي: [قال في "الإيضاح": آخرُهُ آخر يوم من أيام التشريق، واختار ابن عبدوس في "تذكرته": أنَّ آخرَه آخرُ اليوم الثالث من أيام التشريق، واختاره الشيخ تقي الدين؛ قاله في "الاختيارات"، وجزم به ابن رزين في "نهايته"، والظاهر: أنه مراد صاحب "الإيضاح"؛ فإن كلامه محتمل.. (فإن فات الوقت: ذبح الواجبَ قضاءً، وسقط التطوع)] اهـ.

وذهب الشافعية: إلى أنَّ كلًّا مِن دم التمتع والقران لا يتقيد بوقتٍ كسائر دماء الجبرانات؛ فيجوز ذبحه متى شاء، ولا حَدَّ لآخرِ وقتِ إراقته، لكنهم قسموا الوقت إلى ثلاثة أجزاء: وقت جواز، ووقت وجوب، ووقت استحباب.

فأما وقت الجواز؛ كما في ظاهر المذهب وهو المعتمد: فبعد فراغ المتمتع من العمرة، وتحلله منها، وقبل أن يُحْرِم بالحج؛ لأنه حقٌّ ماليٌّ تَعَلَّق بسببين: الفراغ من العمرة، والشروع في الحج؛ فجاز تقديمه على أحدهما؛ كالزكاة.

وأما وقت الوجوب: فعند إحرامه بالحج؛ لأنه حينئذٍ يصير متمتعًا بالعمرة إلى الحج الذي جعله الله غايةً للوجوب في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196]، وما جُعِلَ غايةً للحكم، فإنَّ الحكم يتعلق بأوله؛ كما لو أُجِّلَ إلى رمضان.

وأما وقت الاستحباب: فهو يوم النحر؛ لأنه وقت جميع الضحايا والهدايا، وكذا للاتباع، وخروجًا من خلاف الأئمة الذين أوجبوا الذبح فيه.