بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

اللعب بالنار

في خضم النقاشات الدائرة حول صياغة قانون جديد للأحوال الشخصية، ‏يبرز تساؤل مصيري يتجاوز أروقة البرلمان والمحاكم ليضرب في  ‏صميم تفكير كل بيت ماذا يحدث لو تم استبعاد  مؤسسة الأزهر الشريف ‏عن  المشاركة في صياغة هذا القانون؟
إن محاولة إقصاء أو تحجيم دور الأزهر في هذا الملف بالتحديد ليست ‏مجرد خلاف إداري أو سياسي، بل هي مغامرة غير محسوبة العواقب، ‏أشبه بمن ينزع صمام الأمان من قنبلة موقوتة. هذا الإبعاد يحمل في ‏طياته خطورة مزدوجة تضرب شرعية القانون في مقتل من جهة، وتهدد ‏السلم المجتمعي والنسيج الأسري للشعب المصري  من جهة أخرى‎.‎
قانون الأحوال الشخصية ليس قانوناً مدنياً عادياً كقانون المرور أو ‏الاستثمار إنه قانون مستمد بشكل اساسي من الشريعة الإسلامية التي ‏نص الدستور على أنها المصدر الرئيسي للتشريع  والأزهر، بحكم ‏تاريخه ودستوره، هو المرجعية الأساسية في كل ما يتعلق بالشؤون ‏الإسلامية للوطن و المواطنين ‏
عندما يُستبعد الأزهر، يقع القانون في مأزقين تشريعيين  و هما فقدان ‏الحاضنة الشرعية لان غياب هيئة كبار العلماء يعني غياب العمق الفقهي ‏المطلوب و سيتحول القانون إلى نصوص جافة قد تصطدم بـ ثوابت ‏الدين، مما يجعله عرضة للطعن الدستوري المستمر، ويدخله في دوامة ‏من عدم الاستقرار القانوني‎.‎
ان الوقوع في فخ التغريب التشريعي و ركن  الأزهر علي جنب  قد ‏تنزلق النصوص نحو استيراد قوالب قانونية غربية لا تتناسب مع طبيعة ‏المجتمع  المصري وفلسفته التشريعية فيولد القانون مشوهاً  عاجزاً عن ‏حل المشكلات الواقعية لأنه نبت في بيئة غريبة عن التربه و البيئة ‏المصرية و يفضي الي يؤدي الي أزمة ثقة وتفكك أسري
إن خطورة استبعاد  الأزهر تتجسد بشكل مرعب على أرض الواقع وفي ‏حياة المواطنين اليومية لان  الشعب  المصري بطبعه يثق في عمامة ‏الأزهر فعندما يشعر المواطن البسيط أن القانون الذي ينظم زواجه، ‏وطلاقه، وميراثه، قد صُيغ بعيداً عن موافقة هذه المؤسسة العريقة ، ‏ستنشأ فجوة ثقة هائلة و النتيجة الحتمية  هنا هي رفض مجتمعي خفي أو ‏علني للقانون، واللجوء إلى مسارات موازية كالزواج العرفي غير ‏الموثق أو الطلاق الشفهي غير المقيد  او الاتجاه الي نظام المساكنة هرباً ‏من قانون لا يعترفون بشرعيته الدينية‎.‎
ان  غياب الأزهر يفتح الباب على مصراعيه لتيارات التطرف لكي ‏تتاجر بالقضية، وتدعي أن الدولة تحارب الدين، مما يفرز حالة من ‏الاحتقان والشرخ في السلم المجتمعي. وفي المقابل، قد تندفع بعض ‏الأصوات للمطالبة بعلمانية كاملة تصدم ضمير الأمة المسلمة .‏
ان  الأزهر في مقترحاته السابقة لم يكن متحجراً، بل قدم رؤى تجديدية ‏تحمي المرأة والطفل وتمنع تعسف الرجال، مستنداً إلى فقه المقاصد.  و ‏ان إبعاده يحرم المشرّع من قدرة الأزهر على التجديد الآمن الذي يقبله ‏المجتمع، مما قد ينتج قوانين حادة تؤدي إلى زيادة نسب الطلاق وتشريد ‏الأطفال بدلاً من حمايتهم‎.‎
إن صياغة قانون الأحوال الشخصية ليست معركة تكسير عظام  بين تيار ‏محافظ وتيار مدني، بل هي عملية بناء لمستقبل الأجيال القادمة. و إن ‏إبعاد الأزهر هو وصفة جاهزة لصناعة قانون ميت إكلينيكياً قبل ‏صدوره، وشعب ممزق بين قناعاته الدينية والالتزامات القانونية ‏المفروضة عليه‎.‎
ان الأمن القومي يبدأ من استقرار الأسرة، واستقرار الأسرة لا يتحقق إلا ‏بقانون يجمع بين عصرية المدنية وأصالة الشريعة، وهو التوازن الذي لا ‏يملك مفاتيحه في هذا الوطن سوى الأزهر الشريف‎.‎