رحلوا فتألمت القصيدة
عام الغياب المفاجئ للشعراء
أى عام هذا الذى حمل فى طياته أسنة الغياب، وتركنا نهمًا لأسئلة لا تنتهى.
أربعة أصوات شعرية فارقة، غابت عن دنيانا فى الشهور الأخيرة، وخلفت بيننا جرحا لا يندمل.. ومثلما جمعهم إبداع متفرد، جمعهم رحيلهم المفاجئ، وطعنة غرزت فى قلوب أحبائهم، رحلوا وقد خبأوا عنا قصيدة لم تكتمل وجملة لم تُكتب وضحكة لم نسمع لها صوتا.. رحلوا وتركوا لنا مشقة البحث فى كلماتهم عن حلم لم يشوا به يوما.. غادروا ومازال فى جعبة الزمن الكثير.. وفى الانتظار قلوب أكثر.
ونحن هنا، نفرد بعض مساحة للحديث عن شعراء فارقونا مؤخرا ولم يمهلنا القدر فرصة وداعهم..
< محمد أبوالعزايم.. رحيل على صدر القصيدة
مخلفا سحابة ثقيلة من الحزن والصدمة، رحل الشاعر الشاب محمد أبوالعزايم، عن عالمنا، إثر حادث أليم، فى ٣ أبريل ٢٠٢٦، عن عمر ٤٧ عاما.
ومحمد أبوالعزايم، كان ذلك الشاعر الهادئ والأنيق فى طبعه، الصاخب حرفه، يصحب الألم أشعاره ويطل من عينيه، وكما الحزن يسكن قصائده فلم يفارق مصيره، وكان رحيل جسده المبكر عن الحياة.
اتسمت أشعار محمد أبوالعزايم بجزالة اللفظ وبساطته، وعمق المعنى، رغم أن إبداعه لم ينل ما يستحق من الشهرة والانتشار.
يعد ديوانه «عند احمرار المواقيت»، الصادر عن دائرة الثقافة بالشارقة عام ٢٠٢٢، تأكيدا لشاعر صاحب مشروع مهتم بإبراز الهوية المصرية من خلال لغة شعرية رصينة، وبعيدة عن الافتعال والتهويم.
حصل على المركز الثانى فى مسابقة أدب الجامعات العربية–فرع الشعر- بالجزائر سنة 2002، شارك فى أمسيات للشعراء الشبان على هامش ملتقى شعراء النيلين بالسودان عام 2012، والعديد من المؤتمرات والمهرجانات الشعرية داخل مصر.
ومن قصائده نقرأ:
سأصمت ريثما يجد اليتيم بلاغة أندى/ ومعنى لا يراوده عن الصمت الكلام/ ولسوف أرجع كلما نبتت بحلقى شوكة/ أو كلما زفرت بروحى وردة/ أو كلما صاد الرصاص العطر فى رئة العيال الطيبين/ وسوف أرجع كلما آنستهم ريشًا يزغرد بين أجنحة اليمام.
< أشرف البولاقى.. تنبؤ برحيل صادم
مثّل رحيله المفاجئ صدمة كبيرة للوسط الثقافى، الشاعر والكاتب أشرف البولاقى، والذى وافته المنية الخميس ٢٣ أبريل ٢٠٢٦ عن عمر ناهز 57 عاما، بعد مسيرة عطاء إبداعية قدم خلالها إسهامات بارزة فى مجالات الشعر والنقد والدراسات الثقافية.
ولد أشرف البولاقى فى 19 أغسطس 1968 بمدينة قنا، وتنوع إنتاجه الإبداعى ما بين الشعر العمودى والتفعيلة وقصيدة النثر، كما قدم دراسات فى النقد الأدبى والدراسات الشعبية والفكرية، إلى جانب إنتاجه فى الرواية والقصة القصيرة.
صدر له ثمانية دواوين شعرية، نذكر منها: «جسدى وأشياء تقلقنى كثيرا»، «واحد يمشى بلا أسطورة». كما كتب روايات منها: «فى غرفة الشيخ» و»خدش حياء». وقدم عددا من الدراسات النقدية والشعبية.
حصل البولاقى على جائزة أخبار الأدب لقصيدة الفصحى، وجائزة المجلس الأعلى للثقافة، إلى جانب جوائز من الهيئة العامة لقصور الثقافة وإقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافى.
آخر ما كتب من قصائد على صفحته:
فى الزمانِ البعيد الذى لم نلتقِ فيه/ وفى المكانِ الذى لا أعرفه/ سأجلِس وأصغى جيدًا إلى صمتي/ إنّه أكثر الأشياء صخبًا وضجيجًا...
بعد أن أصغى جيدًا سأمضي/ سأمضى خفيفًا/ خفيفًا بما يكفى لأن أختفي/ ولأن تقولَ لنفسِك يومًا:
كان هنا.. لكننى لم أنتبِه!
< سيد العديسى.. رائد التفرد والبساطة
خلّف برحيله صمتا مقيما لم يقطعه سوى نحيب أمه وأحبائه، وصدى حديثه عن قصيدة جديدة وحلم فى جيبه، يتردد فى لقاء أخير بأصدقائه قبل سويعات من رحيله..
هكذا جاءت وفاته فى الساعات الأولى من صباح السبت ٢ مايو الجارى، عن ٤٧ عاما، وجعا جديدا يضاف لأوجاع القصيدة، وسطرا آخر يكتب فى كتاب الفقد الذى لا ندرى متى تنفد صفحاته.
استطاع الشاعر سيد العديسى، بمعجم مفردات شديد الخصوصية، أن ينجو بقصيدة النثر من براثن المادية والجمود، والتزلف اللفظى، ليصبح رائدا بأسلوب اختص به، يعبر بمفردات سهلة عن أعمق المعانى، ويعتمد فى قصائده على عنصر المفارقة والمفاجأة أحيانا كثيرة، فتصبح معانى الحب فى سطوره أكثر قربا وبساطة وعمقا فى مزيج فريد، يطرح من خلالها رؤية مغايرة عن طبيعة الجنوب وبيئته، وطبيعة الذات الصعيدية، فحفر لنفسه مكانا فريدا، لا يكاد يذكر اسمه بين الشعراء حتى يشار إلى تفرده واختلاف حرفه.
سيد العديسى، هو شاعر وروائى وكاتب صحفى بمجلة الإذاعة والتلفزيون، من مواليد «العديسات» فى الأقصر، له تسعة كتب ما بين الشعر والرواية، وبعضها صدر فى عدة طبعات، أشهرها دواوين: «كيف حالك جدا» ٢٠١٦، «أموت ليظل اسمها سرًا»، «كقاطع طريق» وغيرها.
ونذكر معا جزءا من إبداعه: نحن أبناء الفلاحين/ نمشى بعيون سوداء/ من كثرة ما نظرنا إلى الأرض/ لو أننا نظرنا إلى السماء/ -فقط بضع دقائق-/ لصارت عيوننا زرقاء/ ولمات العالم من الجوع.
< السيد الخميسى.. صوت البحر الآسر
وجع جديد نخر قلوبنا، برحيل الشاعر البورسعيدى السيد الخميسى، مساء يوم السبت ١٦ مايو الجارى، عن ٦٩ عاما.
فحيث تختلط رائحة البحر بصدى القصائد، نشأ صوت شعرى مختلف، كان عاشقًا للرواية كما كان عاشقًا للشعر، فآمن أن الرواية ذاكرة الشعوب، وأن الشعر هو الروح التى تمنح الإنسان قدرته على الاحتمال.
حصل الراحل على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة عام 1969، كما كان عضوًا فى اتحاد كتاب مصر وعضوًا فى أتيليه القاهرة.
كُرم فى مؤتمر أدباء مصر عام 2000، والمؤتمر الأول لأدباء القناة وسيناء بالإسماعيلية عام 1995، كما ترأس مؤتمر أدباء القناة وسيناء الذى استضافته بورسعيد عام 2016.
وترك إرثًا أدبيًا متنوعًا، من أبرز أعماله الشعرية: «نصغى ويقول الموج» و«الرقص الغجري» و«من مقامات الرحيل»، إلى جانب روايتى «البشروش» و«الفرائس»، والمسرحية الشعرية «سيف المتنبي»، فضلًا عن ديوان شعر العامية «طرح الحروف».
من أشعار الشاعر السيد الخميسى نذكر:
يا أصحابي/ إن خفتم أن أندمج مع الدور/ ردونى في/ منتصف الدائرة الحمراء/ هذا قدر الشعراء الغرباء/ أن اللاعب منهم/يلعب بالسيف المكسورْ/ وبداخله/ هذا الخطر المر/ هذا الشعر/ هذا الخيط الفاصل بين النور/ وبين النار.