حال النبي صلى الله عليه وسلّم في العشر الأوائل من ذي الحجة
تعد العشر من ذي الحجة تاجُ الأزمنة وميدانُ التنافس في الطاعات، أقسم الله تعالى بها تعظيمًا لشأنها وتنويهًا بفضلها، وجعل فيها من مواسم الرحمة والعتق ما يوقظ القلوب ويبعث الهمم، وفي هذه الأيام المباركة تتجلى لنا عظمة هدي سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة والذكر والصيام والعمل الصالح، لنستلهم من سنته طريق الفوز بنفحات الله وبركاته.
فضائل عشر ذي الحجة والأزمنة المباركة في القرآن
تفرّد الله سبحانه وتعالى بالخلق والاختيار، كما قال في محكم تنزيله: ﴿وَرَبُّكَ یَخۡلُقُ مَا یَشَاۤءُ وَیَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِیَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا یُشۡرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨].
ومن مقتضى رحمته البالغة بعباده أن فاضل بين الأوقات والأزمنة، فاختار منها أوقاتًا خصّها بمزيد الفضل وزيادة الأجر؛ ليكون ذلك أدعى لشحذ الهمم، وتجديد العزائم، والمسابقة في الخيرات والتعرض للنفحات المباركة.
ومن أعظم هذه الأزمنة الفاضلة التي تجتمع فيها القلوب على الطاعة أيام عشر ذي الحجة، التي اختصت بعدد من الفضائل والخصائص الجليلة؛ حيث أقسم الله بها في كتابه تنويهًا بشرفها وعظم شأنها فقال سبحانه: ﴿وَٱلۡفَجۡرِ ١ وَلَیَالٍ عَشۡرࣲ ٢ وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ﴾ [الفجر:١-٣]، فجاء ذكرها مشرقًا بين آيات الذكر والحج والمناجاة؛ إشعارًا بعلوِّ منزلتها، ورفعة قدرها عند الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣[، وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
وقد بين العلماء على أن الليالي العشر المقصودة هنا هي عشر ذي الحجة قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢].
وجاء في الحديث عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْعَشْرَ عَشْرُ الْأَضْحَى، وَالْوَتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ» [مسند الإمام أحمد: ١٤٥١١]، فشهر ذي الحجة من أفضل الشهور وأحبها إلى المولى عز وجل، وعشره الأوائل هي أفضل أيام الدنيا على الإطلاق تفتح فيها أبواب التجارة الرابحة مع الله التي لا تقبل الخسران.
حال النبي صلى الله عليه وسلم في عشر ذي الحجة وهديه في الصيام والذكر
كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحال الأكمل والقدوة العظمى في تعظيم هذه الأيام المباركة؛ فهو الذي شهد بأنها أعظم أيام الدنيا، وأن العمل الصالح فيها أفضل وأحب إلى الله منه في غيرها، كما ثبت في الحديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» .
ومن ملامح حاله صلى الله عليه وسلم العملية أنه كان يترجم هذا الفضل العظيم إلى واقع ملموس بالصيام والعبادة؛ فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يصوم التسع من ذي الحجة، ففي الحديث عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ" .
ومن هديه صلى الله عليه وسلم تعظيم الأيام الخاصة في هذه العشر؛ كبرنامج الصيام والصلاة والذكر، ولا سيما يوم عرفة (يوم التاسع) الذي قال فيه كما في الحديث عن عَائِشَة رضي الله عنها: أنّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟».
ومن ملامح حاله صلى الله عليه وسلم أيضًا تعظيم يوم النحر (يوم العاشر) الذي هو أعظم الأيام عند الله لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ»، ويوم القرّ هو اليوم الحادي عشر الذي يلي يوم النحر؛ لأن الناس يستقرون فيه بمِنى بعد الفراغ من طواف الإفاضة والنحر.
كما حافظ النبي صلى الله عليه وسلم على الأضحية في هذه الأيام وهي سنة مؤكدة في حق الموسر، بل قال بعض العلماء بوجوبها، وشرع لأمته كراهة حلق الشعر وتقليم الأظافر لمن أراد أن يضحي إعظامًا لهذه الشعيرة، فعن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» [مسلم: ١٩٧٧].
أبواب الخير من هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأوائل من ذي الحجة
إن الميزة الكبرى والسبب الأساسي في حظوة عشر ذي الحجة بهذه المكانة والمنزلة العالية يرجع إلى اجتماع أمهات العبادة والبر فيها؛ وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتى اجتماع كل هذه العبادات الجليلة في غيرها من أيام السنة، قال الحافظ ابن حجر: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره" [فتح الباري: ٢/ ٤٦٠].
ويتأكد في هذه العشر قضاء حوائج الناس، وإطعام الجائعين، وكسوة العرايا، وسقيا العطاشى، وجبر خواطر الثكالى، والمسح على رءوس اليتامى؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ» [البخاري: ٥٣٥٣، ومسلم: ٢٩٨٢].
وأبواب الخير في هذه العشر المباركة كثيرة لا تنحصر، ومفهوم العمل الصالح شامل ينتظم كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة؛ كعيادة المرضى، والإحسان إلى الجيران، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وتعليم الناس، ومساعدتهم وإماطة الأذى عن طريقهم، والتبسم في وجوههم، وإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم، والتيسير على المعسر، كما تشمل الأعمال القلبية الباطنة كصفاء القلوب، وسماح النفوس، ورد الحقوق إلى أصحابها، والمسامحة، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس لقوله تعالى: ﴿وَٱلۡكَٰظِمِینَ ٱلۡغَیۡظَ وَٱلۡعَافِینَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، بالإضافة إلى التفكر في مخلوقات الله.