أحكام وشروط الاشتراك في الأضحية عند الفقهاء
اتفق الفقهاء على أن الأضحية مشروعة في الكتاب والسنة، والأصل فيها: قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 1-2]، وأخرج الشيخان في "صحيحيهما" عن أنس رضي الله عنه قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِكبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا».
حكم الأضحية
لكنهم اختلفوا في حكمها، والمختار للفتوى: أنها سُنَّةٌ مؤكدةٌ في حقِّ كلِّ مسلم قادر موسر، وهو الراجح مِن أقوال الفقهاءِ، ومذهبُ جماعةٍ مِن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
قال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 385، ط. دار الفكر) في بيان أحكام الأضحية: [مذهبنا: أنها سنة مؤكدة في حق الموسر ولا تجب عليه، وبهذا قال أكثر العلماء، وممَّن قال به: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبلال وأبو مسعود البدري رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب وعطاء وعلقمة والأسود ومالك وأحمد وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود وابن المنذر، وقال ربيعة والليث بن سعد وأبو حنيفة والأوزاعي: واجبة على الموسر إلا الحاج بمنًى، وقال محمد بن الحسن: هي واجبة على المقيم بالأمصار، والمشهور عن أبي حنيفة: أنه إنما يوجبها على مقيمٍ يملك نصابًا.. وأما الجواب عن دلائلهم، فما كان منها ضعيفًا: لا حجة فيه، وما كان صحيحًا: فمحمول على الاستحباب؛ جمعًا بين الأدلة] اهـ.
حكم الاشتراك في الأضحية
ذهب الفقهاء إلى أنَّ الأضحية إنْ كانت شاةً فإنه لا يجوز الاشتراك في قيمتها بحيث يَصير كلُّ مشتركٍ مضحيًا على الحقيقة؛ قال الإمام ابن رشد في "بداية المجتهد" (2/ 196، ط. دار الحديث): [اتفقوا على مَنْعِ الاشتراك في الضأن] اهـ.
إلا أنهم اختلفوا فيما تجزئ به، هل تجزئ عن الواحد بمفرده، أم تجزئ عنه وعن أهل بيته؟، والمختار للفتوى: أنها تجزئ عن الواحد وأهل بيته؛ لما روي عن عطاء بن يسار أنه قال: سألتُ أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه: كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: "كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ، ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَ كَمَا تَرَى" أخرجه الأئمة: مالك في "الموطأ"، وابن ماجه -واللفظ له- والبيهقي في "السنن"، والطبراني في "المعجم الكبير"، والترمذي في "السنن" وصحَّحه، وعقَّب عليه بقوله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق".
وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة في الصحيح.
جاء في "المدونة" للإمام مالك (1/ 547، ط. دار الكتب العلمية): [قلتُ لمالِكٍ: أفتُجزئ الشاةُ الواحدةُ عن أهل البيت؟ قال: "نعم"] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (3/ 198، ط. المكتب الإسلامي): [الشاة الواحدة لا يُضحَّى بها إلا عن واحد، لكن إذا ضَحَّى بها واحدٌ مِن أهل بيت، تَأَدَّى الشِّعَارُ والسُّنَّةُ لجميعهم] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 536، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(فصل: الشاة) تجزئ (عن واحدٍ، فإنْ ذَبَحَهَا عنه وعن أهله.. جاز)] اهـ.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ فِي الْأَضَاحِي» أخرجه الإمام الطبراني في مُعجَمَيه: "الكبير"، و"الأوسط".
وعن الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَلْبَسَ أَجْوَدَ مَا نَجِدُ، وَأَنْ نَتَطَيَّبَ بِأَجْوَدِ مَا نَجِدُ، وَأَنْ نُضَحِّيَ بِأَسْمَنِ مَا نَجِدُ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَأَنْ نُظْهِرَ التَّكْبِيرَ وَعَلَيْنَا السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ» أخرجه الإمامان: البيهقي في "شعب الإيمان" واللفظ له، والطبراني في "المعجم الكبير".
وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وهو المروي عن أمير المؤمنين علي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنهم أجمعين، وبه قال عطاء، وطاوس، وسالم، والحسن البصري، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، وأبو ثور رحمهم الله أجمعين.