قدسية "العيش والملح" في عروس الصعيد .. عهد وثيق وتاريخ ممتد
في عروس الصعيد " المنيا " قدسية مقدسة للــ " العيش والملح " فهو بالنسبة للمواطن المنياوي عهد وثيق وترايخ ممتد ، قيل في مأثور الحِكم قديماً: "إن اليد التي تمدّ لك ماءً تستحق التقبيل، والتي تمدّ لك ماءً وملحاً موضعها فوق الرأس وفضلها بين العينين".
أما اليد التي تقاسمك "عيش" أهلها، فما هي إلا يدٌ تشاطرك كِسرَةً من حياتها؛ وهل هناك أثمن من مقومات الحياة يُهديها المرء لمن يحب؟ لقد أرسى العرب منذ القدم قيم القِرى، والجود، وحسن الوفادة، فكانوا يقدمون لضيوفهم وعابري السبيل والمستجيرين أقصى ما تجود به أنفسهم في بيئة صحراوية قاسية وشحيحة.
وتوارثت الأجيال هذه الشيم حتى غدت خصالاً تتغنى بها الركبان، وتصدح بها الأهازيج، وتتناقلها القرى والمدن ، ولعل في أخبار حاتم الطائي، وصيت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، خير دليل على تفرد هذه الأمة بتبجيل الضيف وصون عهد "العيش والملح" كعنوان للشهامة، والمروءة، ونبل السريرة.
المنيا والخبز.. تلازم اللفظ والمعنى
في عروس صعيد مصر المحروسة، تجذرت هذه القيم وتجملت بالأمثال الشعبية ، وتنفرد مصر دون سائر بلدان العالم بتسمية الخبز "عيشاً"، وهي دلالة لغوية بالغة العمق؛ فاللفظ مشتق من "العيش" والمَعيشة والحياة، مما يؤكد الارتباط العضوي والوجودي للخبز في وجدان المصريين.
وتزخر الذاكرة الشعبية المصرية بموروث هائل من الأمثال التي تدور في فلك "العيش"، تعكس فلسفة المجتمع ونظرته للحياة، ومنها، «اللي ياكل رغيف السلطان يحارب بسيفه» (دلالة على الولاء)، «الجعان يحلم بسوق العيش» و*«العيش الحاف يربي الكتاف» ، «إدي العيش لخبازه ولو ياكل نصفه أو ثلثيْه» (تأكيداً على قيمة التخصص)، «وشه يقطع الخميرة من البيت» ، «ده ما بيضحكش للرغيف السخن» ، (في ذم العبوس والشح)، " رجع قفاه يقمر عيش "
ميثاق غليظ وصون للعهود
تتعدى دلالات "العيش والملح" في مصر حدود الطعام لتصبح ميثاقاً أخلاقياً غليظاً. فيقسم المصريون به قائلين: (والعيش والملح)، ويحذرون من خيانته (إياك وتخون العيش والملح)، ويوبخون الناكر للجميل بـ (يا خاين العيش والملح).
وفي أعراف الصعيد الصارمة، يمتنع صاحب (الثأر) تماماً عن تناول أي طعام أو شراب في دار غريمه الذي ينوي الاقتصاص منه، حتى لا يقع في محظور خيانة "العيش والملح". وقد تغلغل هذا المفهوم في الفن المصري، فشدت ليلى مراد برائعتها: «العيش والملح وعشرتنا.. ما يهونش علينا محبتنا»، وسجلت السينما حضورها بفيلم «العيش والملح» من بطولة سعد عبد الوهاب ونعيمة عاكف.
من قرابين الفراعنة إلى طقوس الكنائس
يعود تقديس المصري للخبز إلى فجر التاريخ؛ ففي مصر القديمة كان "العيش" الغذاء الأساسي، بل وأبرز القرابين التي تُقدم للآلهة في المعابد. ومن مظاهر هذا التقديس المعاصر أن المصرى يطلق عليه لفظ "النعمة"، ويقسم بها واضعاً شقّي الرغيف على عينيه تأكيداً لصدقه. وإذا ما لمح كِسرة خبز ملقاة على الأرض، التقطها وقبّلها ووضعها جانباً صوناً لها من الامتهان.
ويؤكد علماء المصريات وكتب التراث أن اقتران "العيش" بـ"الملح" يرمز إلى الوفاء بالعهود والاستمرارية، وهي طقوس امتدت تاريخياً لتتجلى اليوم في الكنائس المصرية من خلال "القربان" المقدس.
إرث المخبوزات: الشمسى والبتاو
يبرز في الصعيد "العيش الشمسي" كطقس فرعوني بامتياز، حيث يمر خبيزه بست مراحل تبدأ بإعداد الخميرة ليلاً، ثم العجن والتقطيع ("التقريص") صباحاً، لتوضع الأقراص تحت أشعة الشمس حتى تختمر. تلي ذلك عملية "التجريح" بواسطة شوكة نخيل، حيث يُرسم خط دائري حول الرغيف وفي منتصفه الرقم (11)؛ وهو معتقد فرعوني قديم يرمز إلى قرص الشمس والإله "رع".
كذلك يشتهر الصعيد بـ "العيش البتاو"، وهو خبز رقيق (منه الجاف والطري) يُصنع من خليط دقيق الذرة والدقيق الأبيض مع الماء والملح والخميرة، وهو من الأغذية المفضلة والأساسية في جنوب مصر.
لغة الأرقام.. عصب الأمن الغذائي
يظل الخبز البلدي حتى اليوم السلعة الاستراتيجية الأولى المدعومة من الدولة المصرية. وقد حافظت الدولة على استقرار سعره لعقود؛ حيث كان سعره (نصف قرش) حتى يونيو 1980، ثم ارتفع إلى (قرش صاغ) حتى سبتمبر 1984، ثم إلى (قرشين) حتى عام 1988، وصولاً إلى استقراره العقود الماضية عند (5 قروش) كركيزة للأمن الاجتماعي.
ووفقاً لتقارير مركز المعلومات وإتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء ومرصد أحوال الأسرة المصرية، فإن 90% من الأسر المصرية تستهلك الخبز البلدي المدعم ،60% من الأسر تعتمد عليه بشكل أساسي في غذائها، تتساوى نسب الإستهلاك تقريباً بين الحضر (90%) والريف (89%)،ترتفع النسبة في محافظات الوجه البحري لتصل إلى 93%، مقارنة بـ 87% في محافظات الوجه القبلي والمحافظات الحضرية.
وتشير الإحصاءات إلى أن متوسط استهلاك المواطن المصري يبلغ 4 أرغفة يومياً (ما يعادل 1360 رغيفاً سنوياً)، وتؤكد بيانات وزارة الزراعة ، أن متوسط استهلاك الفرد من الدقيق (القمح والذرة) يتجاوز النصف كيلو جرام يومياً، وهو ما يضع مصر في صدارة أعلى معدلات استهلاك الخبز عالمياً، ليظل "العيش" دائماً وأبداً.. هو الحياة.

