ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻛﺎﻣﻞ ﻧﻘﻴﺐ اﻟﻤﻮﺳﻴﻘﻴﻴﻦ ﻟـ»اﻟﻮﻓﺪ«:
الموسيقى المصرية تعانى أزمة هوية.. والتكنولوجيا أثرت سلبًا على الأجيال الجديدة فنيًا
بهاء سلطان كان اكتشافى واعتبرته حالة نادرة فى الغناء
كبار الفنانين نسوا الموسيقى الشرقية حتى أنغام وآمال ماهر اتجهتا للاستايل الغربي
نجحنا فى إزاحة المهرجانات من صدارة المشهد الغنائي
أُشفق على المواهب الجديدة.. لأنها تُجبر على تقليد الواقع الهابط
فى وقت تتسارع فيه التحولات الموسيقية وتفرض التكنولوجيا الحديثة إيقاعها على الذائقة الفنية، عبر الفنان مصطفى كامل، نقيب المهن الموسيقية، عن حالة من القلق العميق تجاه مستقبل الأغنية المصرية الشرقية، مؤكدًا أن المناخ الفنى الحالى لم يعد قادرًا على صناعة نجوم يحملون روح وأصالة رموز الطرب الكبار مثل عبدالحليم حافظ وهانى شاكر ومحمد الحلو، فى ظل هيمنة أنماط موسيقية وصفها بأنها بعيدة عن الهوية المصرية الأصيلة.
وأكد مصطفى كامل، خلال حديث لـ«الوفد»، أن الفن فى جوهره يجب أن يجمع بين القيمة الفنية والنجاح التجارى، مشيرًا إلى أن رؤيته طوال مشواره اعتمدت على تقديم أغنيات تحمل مضمونًا راقيًا وفى الوقت نفسه تحقق رواجًا يضمن استمرار الصناعة الفنية، وقال إن الفن الهادف التجاري كان دائمًا معادلته الأساسية، موضحًا أن الهدف لم يكن فقط تقديم عمل ناجح جماهيريًا، بل الحفاظ على جودة الكلمة واللحن والهوية الموسيقية.
وأشار إلى أنه يمر حاليًا بحالة من فقدان الثقة فى قدرة الساحة الغنائية على تقديم جيل يشبه رموز الطرب الذين صنعوا وجدان الجمهور العربى لعقود طويلة، معتبرًا أن التطورات التكنولوجية المتسارعة ووسائل التواصل الحديثة أسهمت فى تغيير الذائقة العامة، خاصة لدى الأطفال والشباب، بصورة أثرت سلبًا على مفهوم التذوق الفنى الحقيقى.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن فقط فى طبيعة الموسيقى المنتشرة، بل فى البيئة المحيطة التى أصبحت مشبعة بأعمال تعتمد على الإثارة السريعة والمضمون السطحى، ما جعل الأجيال الجديدة أكثر انجذابًا إلى ما يحقق الانتشار اللحظى، على حساب الأعمال التى تعتمد على الأصالة والعمق الموسيقى.
وأضاف أن جيله أيضًا تعرض فى بداياته لهجوم من الأجيال السابقة، لكنه شدد على وجود فارق جوهرى، يتمثل فى أن أغانى التسعينيات رغم الانتقادات كانت تحمل مضمونًا حقيقيًا وكلمات وألحانًا تعيش طويلًا، مستشهدًا بعلاقته القوية بالملحن حلمى بكر، الذى كان ينتقد بعض التجارب الفنية آنذاك، لكنه فى النهاية تعامل مع جيل يملك أدوات موسيقية حقيقية.

وتحدث مصطفى كامل عن تجربته فى اكتشاف الفنان بهاء سلطان، مؤكدًا أنه آمن بموهبته منذ ظهوره لأول مرة فى منتصف التسعينيات، واعتبره حالة غنائية نادرة، وقال إنه استضافه داخل مكتبه لفترة طويلة، وكان يراهن على نجاحه فنيًا بسبب امتلاكه صوتًا مختلفًا وأداءً يحمل روح الطرب الحقيقى.
وفى المقابل، أشار إلى أن الساحة الحالية تضم بالفعل أصواتًا قوية قد تتفوق من الناحية الفنية على نجوم كبار، إلا أن المناخ العام لا يمنحها الفرصة المناسبة للظهور، وأوضح أن الفنان الموهوب عندما يخرج إلى الواقع يصطدم بسوق تفرض عليه تقديم أعمال تتماشى مع موجات الراب والتراب والإيقاعات الغربية حتى يحقق الانتشار، وهو ما يدفع كثيرين للتخلى عن هويتهم الموسيقية الأصلية.
وأكد أن المشكلة الأكبر تتمثل فى تراجع ملامح الموسيقى الشرقية المصرية، موضحًا أن غالبية الإنتاج الغنائى الحالى بات يعتمد على الجيتار والإيقاعات الغربية، بينما اختفت تدريجيًا الآلات الشرقية والوتريات والكمنجات التى شكلت روح الأغنية المصرية لعقود طويلة.
وأشار إلى أن كثيرًا من المطربين والملحنين الجدد أصبحوا يعتمدون على أنماط موسيقية مستوردة من الغرب أو من موسيقى شمال إفريقيا، بينما تراجعت الألحان الشرقية القائمة على العود والكمنجات والمقامات الأصيلة، وأضاف أن عددًا كبيرًا من الملحنين الذين يقابلهم اليوم يعتمدون على الجيتار فقط، فى حين أصبح من النادر العثور على ملحن يقدم ألحانه باستخدام آلة العود.
كما تطرق إلى الأزمة الاقتصادية التى تواجه صناعة الموسيقى، مؤكدًا أن تكلفة تسجيل الأغانى ارتفعت بصورة ضخمة، خاصة فيما يتعلق بالاستعانة بعازفى الوتريات، ما دفع بعض المنتجين للاستغناء عن الكمنجات والاعتماد على التوزيع الإلكترونى الأقل تكلفة، وأوضح أن هذا الأمر يؤثر بشكل مباشر على جودة الأغنية الشرقية التى تحتاج بطبيعتها إلى مساحات موسيقية غنية تعتمد على الآلات الحية.
وشدد مصطفى كامل على أنه لا يزال متمسكًا بتقديم أعمال تعتمد على الوتريات والكمنجات رغم ارتفاع التكلفة، لكنه أشار فى الوقت نفسه إلى أن المناخ الإنتاجى الحالى لم يعد يحتمل إنفاق مبالغ ضخمة على الأغنية الواحدة، خاصة فى ظل التغيرات السريعة فى سوق الاستماع.
وفى حديثه عن تأثير التكنولوجيا، عبر عن حزنه من التحولات الاجتماعية والثقافية التى طرأت على الأجيال الجديدة، معتبرًا أن الهواتف المحمولة ومنصات المحتوى السريع أدخلت إلى عقول الأطفال والشباب كمًا هائلًا من المواد التى وصفها بالسطحية، وهو ما انعكس على قدرتهم على التذوق الفنى الحقيقى.
وقارن بين جيله والأجيال الحالية، موضحًا أن أبناء جيله نشأوا فى بيئة أكثر هدوءًا وتنظيمًا، حيث كانت وسائل الإعلام محدودة، وكانت الأسرة والراديو والتليفزيون تلعب دورًا أساسيًا فى تشكيل الوعى والذوق العام، وأكد أن الاستماع إلى أصوات مثل أم كلثوم كان جزءًا من الحياة اليومية، ما أسهم فى تكوين أجيال تمتلك حسًا فنيًا وقدرة على التمييز بين الجيد والرديء.
وكشف مصطفى كامل عن انتمائه الفنى إلى مدرسة أم كلثوم، مؤكدًا أنه «كلثومى وليس حليمي»، فى إشارة إلى تأثره العميق بالموسيقى الكلثومية منذ مرحلة الطفولة والمراهقة، معتبرًا أن هذا النوع من الفن كان قائمًا على البناء الموسيقى المتكامل والقدرة على ترسيخ الهوية الشرقية فى وجدان الجمهور.
كما أبدى استياءه من تخلى عدد من النجوم الكبار عن الطابع الشرقى فى أعمالهم الحديثة، مشيرًا إلى أن حتى الأصوات المعروفة بالحفاظ على الأصالة باتت تتجه إلى الموسيقى الغربية من أجل مواكبة السوق، وذكر من بين هؤلاء الفنانتين أنغام وآمال ماهر، مؤكدًا أنه كان يتمنى استمرارهما فى الدفاع عن الموسيقى الشرقية بشكل أوضح.
وعن أغانى المهرجانات، أوضح مصطفى كامل أنه تعامل معها من منطلق احتواء الظاهرة وتنظيمها، مؤكدًا أن نقابة المهن الموسيقية نجحت فى تقليص سيطرة هذا اللون على المشهد العام، بعدما كان يتصدر الساحة بشكل كامل فى فترة سابقة، وأضاف أن النقابة تسعى حاليًا إلى دعم الأصوات الحقيقية وتوفير بيئة تساعد المواهب الجادة على الاستمرار.
ورغم حالة القلق التى عبر عنها، أكد مصطفى كامل أنه لا يزال مؤمنًا بأن مصر قادرة على إنجاب أصوات استثنائية تتفوق على كثير من النجوم السابقين والحاليين، لكنه شدد على أن المشكلة الحقيقية تكمن فى غياب المناخ المناسب الذى يسمح لهذه المواهب بالظهور والحفاظ على هويتها الفنية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الموسيقى المصرية تمر بأزمة هوية حقيقية، موضحًا أن الأغنية الشرقية لم تعد فى صدارة المشهد كما كانت فى الماضى، بعدما أصبحت أنماط الراب والتراب والإيقاعات الغربية هى المسيطرة على أذواق قطاع واسع من الشباب، معتبرًا أن الحفاظ على التراث الموسيقى المصرى مسئولية مشتركة تقع على عاتق الفنانين والمؤسسات والجمهور فى آن واحد.